رانيا حسن تكتب: ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا.. أين ذهبت الهيبة؟
هناك جملة كانت دستوراً غير مكتوب في بيوتنا: "عيب.. ده قد أبوك" أو عيب ديه قد والدتك "
اليوم أصبحت هذه الجملة نادرة، وحل محلها لغة جديدة، غريبة، جافة، لا تعرف الألقاب ولا تحفظ المقامات.
الظاهرة ببساطة: من "يا عمو" إلى "يا شق"
زمان كنا نقول: يا عمو، يا خالو، يا أستاذ، يا حاج، يا أبلة.
كلمة واحدة كانت تفتح القلوب قبل الأبواب.
اليوم تسمع في الشارع والجامعة والعمل:
"يا شق"، "يا كبير"، "يا زميلي"، "يا برو"، "يا صاحبي"... تُقال لشاب في العشرين ولرجل في الستين بنفس النبرة ونفس الاستخفاف.
لم يعد هناك فرق بين من يكبرك بعشرين عاماً ومن يصغرك. الكل أصبح "يا شق". واللقب أصبح موضة قديمة.
تشريح اجتماعي للظاهرة.. أين نراها؟
*1. في الشارع والمواصلات:*
زمان كان الشاب يقف إذا دخل رجل كبير للميكروباص أو المترو. الآن يجلس واضعاً سماعة في أذنه، ولو طلبت منه سيدة كبيرة أن يقف، ينظر إليك كأنك تطلب منه معجزة. أصبح احترام الكبير "تفضلاً" وليس واجباً.
*2. في البيت:*
ارتفعت نبرة الصوت. أصبح الابن يناقش أباه بندية "أنت مش فاهم يا بابا.. ده جيل غير جيلكم". والبنت ترد على أمها "أووف.. خلاص". اختفى صوت "حاضر يا ماما.. من عنيا يا بابا" وحل محله صوت الأوامر المتبادلة.
*3. في العمل:*
الموظف الجديد الذي لم يكمل شهراً، يتحدث مع مديره الذي أفنى عمره في الخبرة بنفس لغة الشات: "تمام يا كبير، ظبطها". لا يوجد "حضرتك"، لا يوجد "بعد إذن حضرتك". الخبرة لم تعد لها هيبة، والسِن لم يعد له احترام.
*4. على السوشيال ميديا:*
السخرية من الكبار أصبحت محتوى. تصوير رجل عجوز لا يفهم التكنولوجيا والضحك عليه، وتقليد لهجة الأمهات للتريند. نسينا أن هؤلاء هم من علمونا كيف نمسك القلم.
وما ادراك بوسائل السب والقذف الإلكترونية ، إذ يتطاول بعض الشباب الصغير المختص بالسوشيال ميديا علي قامات سواء كانت قامات سياسية او ثقافية او مجتمعية لمجرد أنهم مأجورين من أشخاص اخرين فنجد لغة الإهانة والسب والتقليل من الفكر والشخصية والأسوء إنك تجد مئات بل ألوف من الحسابات التي تجامل وتسب وتلعن بدون ان تعرف ماهي القضية .
لماذا وصلنا لهنا؟
المشكلة ليست في "يا شق" ككلمة، المشكلة في الثقافة التي وراءها:
- *غياب القدوة في البيت:* عندما لا يرى الطفل أباه يوقر جده، لن يتعلم التوقير.
- *المساواة الوهمية:* فهم الشباب للحرية على أنها إلغاء لكل الفروق، حتى فرق السن والخبرة والعلم.
- *لغة السوشيال ميديا:* لغة سريعة، مختصرة، بلا ألقاب، تساوت فيها كل الأعمار خلف الشاشة.
- *ضعف الوازع الديني والأخلاقي:* نسينا حديث النبي صلى الله عليه وسلم: *"ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا".* هذا ليس مجرد حديث، هذا ميزان مجتمع. مجتمع لا يوقر كبيره، مجتمع بلا بوصلة.
الخلاصة
توقير الكبير ليس ضعفاً، بل قوة. واحترام الألقاب ليس نفاقاً، بل أدب.
أن تقول "يا أستاذ" لرجل أكبر منك، لا ينقص منك، بل يرفعك.
أن تقول "يا حبيبتي" لطفل صغير، لا يقلل من هيبتك، بل يزيد من إنسانيتك.
نحن لا نطالب بعودة زمن العصا والخوف، بل نطالب بعودة زمن الهيبة والمحبة. زمن كان الصغير يرى في الكبير أباً، وكان الكبير يرى في الصغير ابناً.
لنراجع أنفسنا.. علموا أولادكم كلمة "حضرتك" قبل كلمة "يا شق".
فالمجتمع الذي يفقد لغته المهذبة، يفقد روحه.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض