من هرمز إلى ﺑﺎب اﻟﻤﻨﺪب
إيران توسع جبهات الضغط على واشنطن وتتمسك بشروطها السبعة
ربط الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بين التصعيد المتسارع فى اليمن والهجمات التى استهدفت البنية التحتية النفطية السعودية والدور الإيرانى فى المنطقة، مرجحاً وقوف طهران خلف الهجوم الذى طال خط أنابيب النفط السعودى الرئيسى، فى وقت تتسع فيه رقعة المواجهة لتشمل ممرات بحرية حيوية وتضع أسواق الطاقة أمام مخاطر متزايدة.
وكشف ترامب أن الحوثيين تواصلوا مع واشنطن وطلبوا منها عدم التدخل عسكرياً ضدهم، بينما أبدى تفاؤله بإمكانية احتواء التصعيد الإقليمى، قائلاً إن: «كل شىء سيسير على ما يرام وبشكل رائع»، كما أشار إلى أنه تحدث مع ولى العهد السعودى الأمير محمد بن سلمان، واصفاً إياه بأنه «صديق».
وتزامنت تصريحات ترامب مع توسع سيطرة الحوثيين باتجاه باب المندب، حيث انتشروا فى جزيرة ميون ومنطقة ذو باب، إلى جانب سيطرتهم على جزر زقر وحنيش الكبرى والصغرى، ما يمنحهم نفوذاً متزايداً على الساحل اليمنى المطل على البحر الأحمر ومواقع استراتيجية تحيط بممر ملاحى بالغ الأهمية لحركة التجارة والطاقة.
وأعلن الحوثيون أن الملاحة ستظل «آمنة» لجميع السفن باستثناء السفن السعودية التى سبق أن شملها قرار الحظر الصادر عن الجماعة.
وفى تطور موازٍ أعلنت منظمة التجارة البحرية البريطانية UKMTO تلقيها بلاغاً عن إصابة سفينة بقذيفة أثناء عبورها مضيق هرمز، مضيفة أن السلطات المحلية أجلت طاقم السفينة بعد اندلاع حريق على متنها.
وتتقاطع هذه التطورات مع توقف الاتصالات بين واشنطن وطهران منذ انهيار اتفاق تم التوصل إليه فى يونيو ولم يصمد سوى أسابيع. وقال إبراهيم عزيزى، رئيس لجنة الأمن القومى فى البرلمان الإيرانى، عبر منصة إكس، إن الحوار والتفاوض لا جدوى منهما ما لم يقبل الجانب الأمريكى جميع الشروط الإيرانية.
وتستعد إيران للمشاركة فى اجتماع مع دول الخليج العربية فى سلطنة عمان اليوم الاثنين لبحث مستقبل الملاحة فى مضيق هرمز. وأفادت وكالة تسنيم الإيرانية بأن اتفاقاً بشأن طرق العبور بين إيران وعمان سيعرض خلال الاجتماع، لكن المضيق لن يعاد فتحه ما لم يتم الوفاء بسبعة شروط نقلتها إيران إلى الولايات المتحدة، من دون الكشف عن تفاصيلها.
وتريد طهران الاعتراف بسيطرتها على مضيق هرمز بما يسمح لها بتحصيل رسوم من السفن التى تستخدمه، وهو مطلب ترفضه واشنطن، بينما تقول سلطنة عمان، التى تسيطر على الضفة المقابلة للمضيق، إنها تجرى المفاوضات بموافقة الدول الإقليمية الأخرى.
وتشير هذه التطورات إلى أن استراتيجية التصعيد الإيرانية بدأت تحقق لطهران مكاسب ملموسة، مع انتقال الصراع من المواجهة المباشرة إلى ساحات وممرات حيوية لشحن النفط، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الطاقة وتحركات دبلوماسية قد تفتح الباب أمام اعتراف بعض دول الخليج بدرجة من النفوذ الإيرانى فى مضيق هرمز.
وخلال الأسبوع الماضى، كثفت إيران وحلفاؤها تحركاتهم العسكرية فى المنطقة، خصوصاً فى اليمن، ما أسهم فى تغيير بعض موازين الحرب لمصلحة طهران. إلا أن ذلك لا يعنى تحقيق إيران انتصاراً حاسماً، إذ لا تزال تواجه ضغوطاً اقتصادية شديدة، فى ظل استمرار الحصار البحرى الأمريكى على موانئها الجنوبية وتصاعد العقوبات التى تعمق عزلتها عن الاقتصاد العالمى.
وبحسب محللين، الهجمات التى نفذتها إيران والقوى المتحالفة معها خلال الأيام الأخيرة وسعت نطاق الصراع ومنحت طهران مساحة أكبر للمناورة والنفوذ، ولو بصورة مؤقتة.
وقال غريغورى برو، كبير المحللين فى مجموعة أوراسيا، إن نجاح الحوثيين فى اليمن أدى إلى تغيير ميزان القوى لمصلحة إيران، مشيراً إلى أن طهران تمكنت من تغيير الوضع القائم من دون الانزلاق مجدداً إلى حرب شاملة، وهو خيار لا يبدو أن النظام الإيرانى يرغب فيه حالياً، بحسب صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية.
ورغم الدعم الإيرانى للحوثيين بالأسلحة والأموال والخدمات اللوجستية، يؤكد محللون أن الجماعة لا تمثل قناة مباشرة بالكامل للمصالح الإيرانية فى اليمن، كما أنها ليست مستقلة بصورة تامة عن نفوذ طهران.
ويمثل ارتفاع أسعار الطاقة ورقة ضغط إضافية على واشنطن، خاصة مع اقتراب انتخابات الخريف، إذ يمكن أن تتحول تكلفة الوقود المرتفعة إلى عبء سياسى على الرئيس الأمريكى.
وأظهرت صور أقمار صناعية نشرتها شركة بلانت لابس السبت منشأة فى خط الأنابيب الشرقى- الغربى بمنطقة الحجاز فى السعودية. وأظهرت الصور حالة المنشأة فى 8 سبتمبر، قبل أن تظهر الأضرار التى لحقت بها فى 11 سبتمبر.
ومنذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران فى فبراير، أصبحت الضمانات الأمنية الأمريكية طويلة الامد لحلفاء واشنطن فى الخليج موضع شكوك متزايدة، بعدما تعرضت دول المنطقة لهجمات بصواريخ وطائرات مسيرة إيرانية.
ويرى بهنام بن طالبلو، الخبير فى الشئون الإيرانية بمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، أن إيران فقدت جزءاً من نفوذها داخل مضيق هرمز، لكنها بدأت استعادته عبر مناطق أخرى من خلال الهجمات التى ينفذها حلفاؤها فى السعودية واليمن.
وقال طالبلو إن الاستراتيجية العسكرية الإيرانية تجمع بين التصعيد وإمكانية التنبؤ، وتقوم على توسيع نطاق المواجهة عبر ساحات متعددة، فى وقت أصبحت فيه طهران أكثر استعدادا لتحمل المخاطر.
ولم تقتصر التحركات الإيرانية على استهداف البنية التحتية والممرات البحرية، إذ كثفت طهران أيضاً هجماتها على السفن الحربية الأمريكية التى تقوم بدوريات فى الخليج العربى.
وأعلن محسن رضائى، المسئول الأمنى الإيرانى البارز، أن إيران اختبرت ما وصفه بأنه أول صاروخ مضاد للسفن ضد سفينة أمريكية. ورد الجيش الأمريكى على الهجمات الإيرانية التى استهدفت سفنه الحربية بتدمير عدد من ناقلات النفط الخام الإيرانية.
وحذر طالبلو من ارتفاع مستوى المخاطر، موضحاً أن هذه الأنظمة الصاروخية عالية السرعة يمكن إطلاقها من مناطق داخلية بعيدة، وأن إصابة سفينة أمريكية قد تؤدى إلى خسائر كبيرة فى الأرواح.
وامتدت تداعيات التصعيد إلى قمة بريكس فى نيودلهى، حيث حث رئيس الوزراء الهندى ناريندرا مودى الرئيس الإيرانى مسعود بيزشكيان على حماية حرية الملاحة والتجارة، فى ظل تعرض واردات الهند من الوقود لمخاطر مباشرة بسبب الصراع.
وفى المقابل، استغل بيزشكيان إحدى فعاليات القمة لتوجيه انتقادات حادة إلى القوة الأمريكية، متسائلا عن الجهة التى منحت الولايات المتحدة الحق فى اتخاذ القرارات نيابة عن العالم وفرض إرادتها على الآخرين.
وقال دانى سيترينوفيتش، ضابط المخابرات الإسرائيلى المتقاعد والمتخصص فى الشأن الإيرانى، إن عقد الاجتماع التفاوضى بشأن إيران فى عمان سيعكس حجم خيبة الأمل داخل دول الخليج تجاه واشنطن وسياساتها فى المنطقة.
وأوضح أن دول الخليج تواجه خيارين صعبين: الأول هو استمرار مواجهة مفتوحة بلا نهاية سياسية واضحة، بما يهدد الاستقرار ويفرض تكاليف اقتصادية هائلة، والثانى قبول درجة من الاعتراف بالنفوذ الإيرانى على المضيق أملا فى استعادة الاستقرار.
وفى المقابل، وصف طالبلو الدبلوماسية الإيرانية تجاه دول الخليج بأنها نموذج للتعامل بسياسة مزدوجة، قائلاً إن طهران أمضت شهوراً فى مهاجمة هذه الدول بصورة مباشرة وغير مباشرة، وتهيئة ظروف أدت إلى خسائر كبيرة فى الإيرادات ومنعت دولا خليجية من تصدير نفطها بالشكل المعتاد.
وأضاف أن إيران تحاول حالياً تثبيت وضع أكثر ملاءمة لها، يقوم على دفع أطراف داخل المنظومة الأمريكية فى المنطقة نحو الخضوع لموقف طهران، مستفيدة من اتساع رقعة الصراع وارتفاع كلفة تعطيل ممرات الطاقة والتجارة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض