«أزمة دون لازمة» لكنها كاشفة هذا ملخص، ووصف حال ما حدث فى القليوبية، وإن كان مع حدث من المحافظ خلال جولته التفقدية هو الجزء الظاهر من أزمة أعمق تتعلق بفكر وطريقة ومدرسة إدارة عفا عليها الزمن. بداية لا أحد يتهاون أو يدعم التقصير والإهمال بأى شكل، وأى درجة، بل أرى أنه تداعيات وخسائر الإهمال -فى كثير من الأحيان- أكثر سوءا من الفساد. ولكن هل الاستعداد ومتابعة مدى جاهزية القطاع التعليمى كله فى أى محافظة تكون -قبل أيام- معدودة فقط من بداية العام الدراسى؟؟ أتصور أنه الاستعداد للعام الدراسى الجديد يبدأ ما بعد نهاية العام الدراسى السابق، خاصة مع اتجاه الوزارة لزيادة مدة وأسابيع العام الدراسى، وليس من خلال جولات تفقدية لزوم التصوير والظهور قبل بداية الدراسة بأيام، بل يتطلب الاستعداد الجاد اجتماعات عمل مباشرة يقودها المحافظ مع مديرى الإدارات التعليمية للحصر الدقيق لاحتياجات المدارس وتدارك النقص، ثم بعد ذلك كله تأتى مرحلة المتابعة والجولات التفقدية، والثواب للمجتهد، والعقاب للمهمل المقصر. لكن قبل الجولات هناك مراحل استعداد كثيرة للعام الدراسى يتحمل مسئوليتها المحافظ بشكل مباشر، ورئيس.
ثم يا سيادة المحافظ الاستعداد للعام الدراسى ليس المدارس فقط، إن كنا نريد استعدادا حقيقيا للدراسة فماذا عن حالة الطرق بالمحافظة التى بح صوتنا من الشكوى منها؟ ماذا عن المشاكل النقل الجماعى الداخلى بالمحافظة؟ والتى يعانى منها الآلاف من الطلاب والمدرسين فى مختلف المراحل على مدار العام فى ضوء غياب الرقابة على المواقف والسيارات الأجرة؟ إزالة تجمعات القمامة من أمام وحول المدارس، أليس هذا كله من قبيل الاستعداد للعام الدراسى يا سيادة المحافظ؟!! فالتعاطى الشامل مع هذه المحاور ينقل تحضيرات الموسم الدراسى من الإجراءات الشكلية إلى الجاهزية المؤسسية الفعلية.
وحسنا جاءت استجابة الحكومة سريعا لاحتواء احتقان الآلاف من المعلمين عبر وزارة التربية والتعليم، بعد أن كرم وزير التربية والتعليم فى مصر، محمد عبداللطيف، مديرى المدرستين الحكوميتين اللذين تعرضا للتوبيخ من جانب المحافظ، وتكريم الوزير مديرى المدرستين يحمل فى طياته رسائل عدة تتجاوز مجرد جبر الخاطر، على رأسها اعتراف ضمنى من الحكومة بخطأ المحافظ. والتأكيد على أن تقييم الأداء وتصويب الأخطاء ينبغى أن يخضع لأطر إدارية تربوية حكيمة، بعيدًا عن الاستعراض الإعلامى أو القرارات الانفعالية.
أتمنى أن نستفيد من هذه الأزمة، وأن تكون نقطة انطلاق لبناء نموذج إدارى مؤسسى هو المسار الأكثر نفعًا للمصلحة العامة، عبر الابتعاد عن ردود الفعل والممارسات الفردية إلى العمل المنهجى المنظم من خلال خطة إدارية وطنية مستدامة للإدارة المحلية التزامًا بمعايير محددة وبجدول زمنى واضح ينظم أدوار المحافظين والجهات التنفيذية. تبدأ فور نهاية العام الدراسى السابق مباشرة، وتقسم إلى ثلاث مراحل: مرحلة الحصر والاحتياجات، مرحلة التنفيذ والتدخل اللوجستى، ثم مرحلة المتابعة والقياس قبل انطلاق الدراسة بأسابيع. والاستعاضة عن الجولات الاستعراضية المفاجئة باجتماعات عمل دورية وموثقة بين المحافظين وقيادات الإدارات التعليمية، تجعل من الجولات الميدانية اللاحقة أداة للتحقق والقياس المستند إلى أرقام ونتائج، وليس للتقييم الانفعالى الشفهى. والهدف ممارسة إدارية مستقرة تضمن صون هيبة الكوادر التربوية، وتحدد مسؤولية السلطة المحلية بدقة، هى أبسط حقوق المواطن، وكذلك أبسط واجبات الإدارة المحلية التى يجب أن تؤدى دون استعراض وبمنهجية فور نهاية كل عام دراسى، لا أمام كاميرات التصوير قبل بدء الدراسة بأيام.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض