لم ير محافظ القليوبية فى مدير مدرسة تابعة لادارة كفر شكر التعليمية ، سوى رجل يرتدى جلابية .. فاختصر كل مشكلات المدرسة فى جلابية مديرها ، ووجد فى ارتدائها مبررا للوم وتوبيخ المدير ، وربما العقاب ، لكنه لم يتوقف ليسأل السؤال الأهم : لماذا ارتدى مدير المدرسة الجلابية ؟ وماذا كان يفعل بها ؟ ..المدير لم يكن جالسا على مكتبه يستقبل الزائرين ، ولا ذاهبًا إلى حفل رسمى أو اجتماع بديوان المحافظة.. الرجل كان وسط المدرسة ينظفها ، ويتابع أعمال الصيانة ، ويتحرك بين السباك والكهربائى والنجار ، ويشرف على تجهيز المدرسة قبل بدء الدراسة..فهل كان مطلوبا منه أن يرتدى البدلة والكرافتة وهو يتابع الصنايعية ويمسك بيده المقشة بدل العامل ؟ وهل أصبحت البدلة دليلا على الكفاءة ، وأصبحت الجلابية دليلا على الإهمال ؟
المشهد يستحق أن نتوقف أمامه قليلا..
إذا كان هناك تقصير في أداء مدير المدرسة ، فليحاسب عليه.. وإذا كان غير قادر على إدارة المدرسة ، فليتم تغييره .. أما أن تكون الجلابية هي الدليل على عدم صلاحيته ، فهذه مشكلة أكبر من الجلابية نفسها.
هناك سؤال مهم : هل المدرسة جاهزة لاستقبال الطلاب ؟ هل الفصول آمنة ؟ هل دورات المياه صالحة ؟ هل الكهرباء والمياه والصيانة تم الانتهاء منها ؟ وهل المدير يقوم بواجبه أم لا ؟ .. ثم نسأل سؤالا أكثر أهمية : لماذا يضطر مدير مدرسة إلى متابعة السباك والكهربائى والنجار بنفسه ؟ وأين خطط الصيانة التى يفترض أن تنتهى قبل وصول الطلاب والمعلمين إلى المدرسة ؟
نحن لا ندافع عن مخالفة إدارية إن كانت موجودة ، ولا نقول ان الزى الرسمى غير مهم في المناسبات والاجتماعات التى تقتضي ذلك ، لكننا نرفض أن تتحول المظاهر إلى معيار للحكم على المسؤولين ، بينما يتم تجاهل جوهر المشكلة..بل ربما يكون مدير المدرسة الذي خلع البدلة وارتدى ملابس العمل لينزل إلى موقع الصيانة أكثر إحساسا بالمسؤولية من مسؤول يرتدى أفخم الملابس ويكتفى بتوجيه التعليمات من مكتبه..والأخطر أن تتحول زيارة المسؤول إلى مجرد لقطة : كاميرات ، توبيخ أمام الناس ، وصورة تقول إن المحافظ حازم ولا يسمح بالتهاون فى الانضباط.. بينما لا نعرف ماذا حدث بعد انتهاء التصوير ..
السلطة ليست فى إحراج موظف أمام الكاميرات ، وإنما فى حل المشكلة التي جاء المسؤول من أجلها.
كان الأولى بالمحافظ أن يسأل مدير المدرسة : ماذا أنجزت ؟ ماذا ينقصك ؟ وما العقبات التي تواجهك ؟ ثم يحاسبه على النتائج ..فإن كان المدير مقصرا ، فليحاسب.. وإن كان مجتهدا ، فليُشكر .. وإن كان يعمل بإمكانات محدودة ويحاول أن يجعل المدرسة جاهزة لاستقبال أبنائنا ، فالأولى أن نوفر له الإمكانات لا أن نهينه بسبب جلابيته..
يا سادة.. لا تجعلوا الجلابية قضية ، وتتركوا المدرسة مهملة بلا امكانيات .
فالمدرسة لا يهمها ماذا يرتدى مديرها بقدر ما يهمها ماذا يفعل..والطلاب لا يحتاجون مديرا أنيقا أمام الكاميرات فقط ، وإنما يحتاجون مديرا كفئا ، حاضرا بينهم ، يعرف مشكلاتهم ، ويتحمل مسؤولياته..
قيّموا المدير بأدائه.. وحاسبوه على تقصيره.. لكن لا تحاسبوه على جلابية ارتداها وهو يحمل مقشة ويتابع الصنايعية من أجل مدرسته .
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض