كتب نجيب محفوظ عن مصر حتى بدا كأنه لم يترك حارةً بلا راوٍ، ولا مقهى بلا حكاية، ولا أسرة بلا سرّ. أصغى إلى همس الأزقة، ورصد تحولات المصريين من ثورة 1919 إلى ما بعد يوليو. ومع ذلك، لا تعنى عظمة مشروعه أنه أحاط بمصر كلها؛ فكل أدب عظيم يضيء مساحات ويترك وراء الضوء ظلالًا تنتظر كتّابًا آخرين.
كانت القاهرة بطلة محفوظ الأولى، لكنها لم تعد اليوم قاهرة الجمالية والحسين والعباسية ووسط البلد وحدها. فمنذ أواخر السبعينيات، نشأت السادس من أكتوبر، ثم الشيخ زايد والقاهرة الجديدة والرحاب ومدينتي. وهذه ليست امتدادات جغرافية فحسب، بل حياة أخرى: أسوار وبوابات إلكترونية، وحراس وكاميرات وكلاب أمن، ومدارس ونوادٍ خاصة. لم تعد الحارة تجمع الغنى والفقير؛ فقد حل محلها «الكمباوند» الذى يقرر من يدخل ومن يبقى خارجه. تناولت رواية يوتوبيا لأحمد خالد توفيق هذا الانقسام، لكن الحياة اليومية داخل المدن المسوّرة لا تزال أرضًا روائية شبه بكر.
وغيّرت الهجرة إلى الخليج، منذ السبعينيات، شكل الأسرة والبيت والقرية، وأعادت توزيع السلطة بين من رحل ومن بقي. كما بقيت تجارب المسيحيين واليهود والنوبيين والبدو وسكان الحدود أقل حضورًا من استحقاقها، وظلت حرب أكتوبر تنتظر روايتها الإنسانية الكبرى من داخل تجربة الجندى ورسائله وعودته.
وثمة شخصيات جديدة لم تجد روائييها بعد: المسن الذى يعيش وحيدًا بعدما هاجر أبناؤه، والشاب الذى يقيم فى هاتفه أكثر مما يقيم فى بيته، وعامل الدليفري-التوصيل الذى يعبر يوميًا بوابات الأثرياء ثم يعود إلى حى أشبه بالعشوائيات. إنها وجوه قاهرة جديدة تغيّر فيها معنى الجيرة والعائلة والانتماء.
وتبدلت كذلك علاقات الشبان والفتيات بفعل الجامعات والعمل والمقاهى والسفر والفضاء الرقمي. كتب محفوظ عن الرغبة والخيانة والازدواج الأخلاقى فى زقاق المدق وبداية ونهاية وميرامار والحب تحت المطر؛ لكنه لم يعرف عالم العلاقات الرقمية والزواج العرفى السري، و«زواج الهبة" أو مايطلق عليه اليوم "موضة الزواج الرِوِش».
ومن التحولات الكبرى صعود الأم المعيلة. فالملايين من النساء يدفعن الإيجار ونفقات المدارس وفواتير البيت، ثم يعدن لأداء معظم أعمال الرعاية، بينما يحتفظ الأب العاطل والمريض والمدمن أحيانًا بلقب «رب الأسرة». عرف محفوظ المرأة المكافحة، وجسّد مأساتها فى نفيسة بطلة بداية ونهاية، لكنه لم يجعل الأسرة التى تمولها الأم ظاهرة مركزية فى رواية كاملة.
لم يكن فى وسع محفوظ أن يكتب القاهرة التى جاءت بعد اكتمال عالمه: قاهرة الكمباوندات وعمال التوصيل والهواتف، وقاهرة الأم التى تعول بيتها. والسؤال ليس ماذا أغفل محفوظ، بل ماذا فعل الروائيون بالنوافذ التى تركها مفتوحة؛ فمن ورائها تعيش مصر أخرى ما زالت تنتظر من يصغى إليها ويكتب رواياتها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض