تعيش الصحافة الفنية لسنوات موتاً إكلينيكياً، بلا إعاشة قد تنقذها من موت سريري طويل، ليتراجع النقد القائم على أسس فنية، أمام قراصنة مواقع التواصل الاجتماعي بكتائبهم الإلكترونية، وهو ما ساهم في تراجع الصحافة النوعية إجمالاً، بقضاياها المتعمقة في جذور المجتمع والهوية المصرية، ومن بينها الصحافة الفنية بشقيها النقدي والإخباري، ما يستوجب صحوة تعيد للمهنة هيبتها وتعيد للفن المصري بوصلته التي فقدها بإضعاف الصحافة الفنية، وعدم اضطلاعها بدورها الداعم للفعل الثقافي، والكاشف لأزمات المنظومة لتصحيح عوارها الإداري والفني بالبحث والتدقيق، وهو ما لم يعد يحدث على الإطلاق، ربما لأن المهنة ذاتها تعثرت في صخور التضخم والاحتواء وشبكات المصالح، فباتت الصحافة الفنية بلا أقلام وازنة إلا ما رحم ربي، في ساحة تعصف بها الشللية ودوائر المصالح محكمة الغلق.
لنحو ثلاثة عقود تابعت بحكم عملي في جريدة الوفد كل ما كتب تقريبا عن أزمات المسرح والسينما والغناء، وشهدت محاولات إصلاح عديدة نجحت في فتح نوافذ الأمل ولو لبضع سنوات قبل أن تغلقها الأهواء، كما قرأت آلاف التحقيقات والمقالات والآراء المتخصصة حول أزمات روافد الإبداع المصري، ورغم تكرار الكثير من الأفكار المقولبة، التي حاول أصحابها صبغها بأبعاد أكاديمية لمنحها أهمية لا تستحقها لعدم تناسبها مع الظروف على الأرض، إلا أن الواقع يؤكد على أهمية الحفاظ على دور الصحافة الفنية في أي محاولة إصلاح لمنظومة الفن المصري، لأن أصحاب الأقلام الجادة قادرون على رسم المسارات، باعتبارهم أرشيفا حيا ونوعيا، لا يخلو من تجارب لم يعايشها مسؤول حالي، أو فنان اقتصر تاريخه على بضع سنوات في صناعة الإبداع، فقط لأنهم عاصروا تجارب فنية يمتلكون خلاصتها، فخبرة صحفي عمره المهني عامان، تفوق خبرة فنان أمضى في الوسط الفني 10 أعوام.
لذلك فإن تراجع هيبة الصحافة الفنية، يترك الوسط تائهاً كما نراه الآن، فالمسرح المصري يبحث عن طوق نجاة مع التهديدات المحيطة بكوادره الفنية سواء كان حكومياً أو خاصا، ولا جدوى اقتصادية من عروض مسرح الدولة أو حتى توثيق للتجارب المسرحية الجادة، ولا مسرح خاص باستثناء مبادرة وليدة انحازت لها نقابة المهن التمثيلية، وبضع عروض أنتجت لإرضاء زوار الساحل الشمالي، وبين السينما والدراما التلفزيونية تعاني شركات الإنتاج غياب الأفكار والقدرة على فتح أسواق جديدة لا تطبيق حق الأداء العلني الذي يرعب رؤوس الأموال وغرفة صناعة السينما، ومجتمع الساحل ما زال يتحصن بالإعلانات الممولة للتشويش على أي نقد حقيقي لأغاني الصيف، ونقابة المهن الموسيقية لم تعد تعكس نهجا فنيا في إدارتها، مع الاعتماد على جباية الرسم النسبي بغض النظر عن قيمة الأصوات، فقط لعدم إحراج نقيب متحشرج للغاية، والجميع يعتقد أن السيطرة على مواقع التواصل الاجتماعي تمثل قمة النجاح بغض النظر عن قيمة المطروح، لهذا يهاجم الجميع الجميع، وتتابع الحملات المحتدمة حول حفل "عمرو" أو عودة "شيرين"، وفي السينما تشتبك أفيشات الأفلام لتدمي بعضها البعض مع تضارب أرقام الإيرادات، وتتوحش الكيانات الاحتكارية مستغلة ضعف توافر الحماية للفنان دون حراك سينمائي حقيقي لإصلاح بيئة العمل، وتضطرب المهرجانات مع صدامها باللجنة العليا المنظمة لعملها، وتترقب نقابة السينمائيين انتخابات مؤجلة وتجمع المهرجانات للاتحاد علها تؤازر بعضها البعض قبل أن يتفرقوا ويصمت الجميع، هو وضع مضطرب يجب تأمله واستدعاء الكوادر المهنية لتحليله قبل إجراء تدخل جراحي عاجل.
فالأزمة ليست في الدولة على الإطلاق يا سادة، الأزمة في غياب السلطة الرابعة عن المشهد المجتمعي، وتسرب سموم الخوارزميات إلى أرواح الجميع، فمواقع التواصل الاجتماعي تمنح كل شخص ما يتمناه، فإن ادعى أنه ناقد فلن يجد إلا تصفيق صحبته التي تدفعه للتعمق في تحليل أخلاقي أو انطباعي أو تأمري للعمل الفني، وإذا ما أراد أن يكون مناضلا كتب سطرين ضد الحكومة وتمتع بآهات الموجوعين أو ثناء الموتورين وإعجاب الضائعين، فكل شخص يرسم الصورة التي يريدها من خلف لوحة مفاتيحه، في عالم غير واقعي يعتقد صناع الفن أنه ينجيهم من النقد الحقيقي، أو يمنحهم المرتبة الأولى ولو افتراضيا وبإعلانات ممولة وكتائب إلكترونية، وهو أمر لا يختلف كثيراً من وجهة نظري عن كتائب التضليل للجماعات الإرهابية عبر الوسائط الرقمية كافة، فهذا يا سادة ما يسهم في امتهان الفن، وإضعاف الصناعة بتزييف واقعها، ثم الدفع بكل شيء إلى وزارة الثقافة، للتنصل من مسؤولية الفشل الإبداعي، الذي قد تتهم به وزارة باتت بلا رأس، رغم اتفاقنا جميعاً على أن عقلية الموظفين هي ما هدمت إرثاً فنياً وريادياً كبيراً، حتى أن تاريخ مؤسسة السينما لم يتجاوز عقد من الزمان وما زلنا نتباكى عليها حتى الآن لندفع الدولة دفعاً للإنتاج، وهو ما يضر بالمنافسة في السوق السينمائية ولو فتح ذلك بابا للصغار.
ورغم إدراكنا لعدم تناسب تجربة من ستينيات القرن الماضي مع الأوضاع الحالية، إلا أن وزارة الثقافة تبقى الشماعة الأقرب لتعليق تراخينا عن التفكير خارج صندوق بات خانقاً للإبداع، ثم ارتداء عباءة اليأس من جدوى القتال لإصلاح الأوضاع المتردية في ساحات الغناء والمسرح والسينما في مصر، لهذا أرى عجزا ولو رأيت تجذرا للأزمات التي لن نجد حلولها لدى وزارة الثقافة، فإن أردنا حلاً، فعلى المبدعين فقط أن ينطقوا ويعبروا عن أوجاع المهنة لا أوجاعهم الشخصية، وعلى النقابات الفنية ألا تحل أزماتها في ساحات القضاء، أو تستعدي مع أعضائها جمهورا جرفت قوى التضليل والإرهاب ذائقته الفطرية، فبات عنيفاً خاوياً وانفعالياً، ثم تحاوروا مع منتقديكم شارحين ما تحملونه من مبررات أو أفكار، ولا تتعالوا على من كنتم تتسولون منهم عنوانا في بداياتكم إلا قليلا منكم، واعلموا أن الحروب مهما طالت تنتهي على مائدة المفاوضات، فأنا أرى حرباً على الصحافة الفنية بسبب أفعال صبيانية قد لا تصدر عن أهل المهنة ولكنهم يتحملون آثامها، ولا أنفي شبهات التربح والعمالة التي وصمت بها أسماء قليلة آلاف الأقلام الشريفة، ولكن حتى هذه القلة أراها صنيعة النجوم ورؤساء المؤسسات الفنية الذين يميلون لشراء الأقلام أو شراء الأضواء لهذا لا أنفي فساد الكثير من النجوم والقائمين على المؤسسات الثقافية الخاصة أو الحكومية، وإذا ما كان للإبداع نقباء يدافعون حتى عن أخطاء المنتسبين إليهم، فللصحفيين نقابة تاريخية طالما انحازت لقضايا الإبداع الفني، وآزرت معارك المبدعين ونجوم الفن المصري، مع العلم أن لدينا قواعد مهنية وقوانين حاكمة تفوق المحددات التي فرضتها النقابات الفنية، لهذا أنصحكم ألا تشتبكوا لأن في الاشتباك خسارة للطرفين، ولكن عليكم أن تتحاوروا وسيكون كل شيء بخير في المستقبل القريب.
وإذا كان واجب الصحافة الفنية هو نقد المنظومة، فمن واجبها أيضاً جبر قوتنا الناعمة ودعم كوادرها المهنية، وأقول للمبدعين شاركوا الأقلام الجادة أفكاركم، وتقبلوا النقد فنحن لا نقومكم بسيوفنا، بل نضيء أمامكم الطريق ونشد على أياديكم إذا ما أجدتم، لا فرق بالنسبة لي في هذا بين ناقد وصحفي في اضطلاع أي منهما بهذا الدور الذي أراه دورا وطنيا، لهذا فلا سبيل لإصلاح منظومة الفن المصري، إلا بإصلاح ثم دعم الصحافة الفنية، فليس غريبا أن الجميع يشكو الآن من عدم الرضا عن جودة الإنتاج، وكلها أزمات رسمت حدودها آفات المصالح والشللية والاحتكار، كأدران أمرضت منظومة الفن المصري، مع ضياع الأصوات النقدية الجادة بين إضاءات المقاطع المصورة والمنشورات العابرة للترند، في صخب اصطناعي يرضي صناع الفن، وينسف الجسور التي طالما ربطت الفن المصري بحصن الصحافة الفنية، فالصحافة لا مواقع التواصل الاجتماعي، هي ما أفرزت الأجيال المتعاقبة من نقاد السينما المصرية، ولا أنكر أن التعامل مع المهنة باعتبارها درجات وظيفية أفقدها قوتها، مع ارتقاء كل كاتب من مرتبة الصحفي إلى مرتبة الناقد، سواء نتج ذلك عن ثقة من المؤسسة في ثقافة الكاتب، أو عن موهبة حقيقية يمتلكها، وأكثر الأسماء تتمتع بالموهبة والخبرة، ولكن في الحالتين ليس علينا أن نهجر الصحافة بأبعادها الإخبارية والتحليلية، ونرتقى المنصات فقط لنؤكد تصعيدنا مهنيا، رغم أن كتابة خبر أو تحليل أبعاد أزمة فنية، لا يقل أهمية عن مقالات مطولة حول من أجاد ومن أخفق في أعمال أغلبها ضعيف، فلا قيامة حقيقية للفن المصري، إلا بقيامة موازية للصحافة الفنية بشقيها الإخباري والنقدي، وهو ما قد يتعثر في كتائب التضليل الفني وصحافة الترند، لهذا علينا أولاً استعادة المهنية التائهة بين المعسكرين، لانتزاع الوعي من قبضة الإرهاب الإلكتروني، فمواجهة تزييف الوعي مسؤولية مشتركة بين الكتاب والمبدعين، وهو ما يتحقق بتجديد التحالف بين الأقلام الجادة والقوى الناعمة لتفكيك ألغام الإرهاب الرقمي، والحفاظ على تاريخ كبير وتصحيح أخطاء حاضر مرتبك، فقط لأن هذا البلد يستحق مستقبلا أفضل، لن يصنعه سوى إبداع يعتمد على هوية وطنية بدعم وحماية الأقلام الجادة من حراس الوعي.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض