خلال الفترة الماضية، كتبتُ في بوابة «الوفد» العريقة عددًا من المقالات التي انتقدتُ خلالها بعض السياسات الحكومية، وفي مقدمتها إجراءات تنقية بطاقات التموين واستبعاد غير المستحقين من منظومة الدعم.
لم يكن هذا النقد خصومة مع الدولة أو مؤسساتها، وإنما انحيازًا مهنيًا وإنسانيًا للمواطن، فالدعم التمويني ليس مجرد بند في الموازنة، وإنما يرتبط مباشرة بلقمة عيش ملايين الأسر، وأي خطأ في البيانات أو التطبيق قد يحوّل إجراءً يستهدف تحقيق العدالة إلى عبء جديد على أسرة لا تحتمل المزيد.
لكن الإنصاف المهني يفرض علينا أيضًا أن نقول الحقيقة عندما تتغير السياسات نحو الأفضل، وأن نمنح المسؤول حقه عندما نرى إجراءات جادة تستهدف تصحيح المسار وحماية المستحقين، وهذا تحديدًا ما خرجتُ به من اللقاء الخاص الذي جمعني بالدكتور شريف فاروق، وزير التموين والتجارة الداخلية، والذي تناول مستقبل منظومة الدعم، ومعايير التنقية، وضوابط الاستبعاد، وآليات التظلمات وإعادة المواطنين المستحقين إلى المنظومة.
الدكتور شريف فاروق وزير التموين والتجارة الداخلية، أكد خلال اللقاء أن خطة الحكومة وفلسفة الإصلاح لا تقومان على حرمان الفقراء أو تقليص حقوقهم، وإنما على إعادة توجيه الدعم إلى مستحقيه، وإغلاق منافذ الهدر والتسرب، وحماية المال العام، مع توفير مسارات واضحة لتصحيح أي استبعاد يحدث نتيجة خطأ في البيانات أو التقييم.
وشدد الوزير على أن الدولة لا تستهدف حرمان أي مواطن مستحق من الدعم، وأن معايير الاستبعاد تستند إلى ضوابط العدالة الاجتماعية المعتمدة من الجهات المختصة، مع التأكيد على عدم المساس بالفئات الأولى بالرعاية، مؤكدًا أن القضية الأساسية ليست في حرمان الفقير من الدعم، وإنما في منع وصول الموارد المخصصة له إلى غير المستحقين.
وأوضح الدكتور شريف فاروق أن توجيهات القيادة السياسية تركز على تعزيز الحماية الاجتماعية ورفع كفاءة توجيه الدعم، وأن الموارد التي يتم توفيرها من تنقية المنظومة من غير المستحقين لن تكون هدفًا في حد ذاتها، وإنما ستتم إعادة توجيهها لخدمة الفئات الأكثر احتياجًا، سواء من خلال الدعم السلعي أو أي صيغة أخرى تقررها الدولة في إطار تطوير منظومة الحماية الاجتماعية.
وكشف الوزير حجم المسؤولية التي تتحملها الدولة في هذا الملف، موضحًا أن مخصصات الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية بموازنة العام المالي 2024/2025 بلغت نحو 536.9 مليار جنيه، فيما بلغت مخصصات دعم السلع التموينية والخبز نحو 134.1 مليار جنيه، بما يؤكد أن إصلاح منظومة الدعم لا يتعلق بإجراء إداري محدود، وإنما بإدارة موارد عامة ضخمة ترتبط بصورة مباشرة بالاحتياجات اليومية للمواطنين.
وشدد الدكتور شريف فاروق على أن عمليات تنقية منظومة الدعم تستهدف استبعاد غير المستحقين فقط، ومن بينهم المواطنين المقيمين بصورة دائمة خارج البلاد، ممن تستمر بطاقاتهم التموينية في صرف مقررات الخبز والسلع رغم سفرهم وإقامتهم خارج مصر، وهو ما يؤدي إلى توجيه موارد الدعم إلى غير مستحقيها ويمثل إهدارًا صريحًا للمال العام.
وأوضح الوزير أن عملية التنقية تشمل أيضًا استبعاد المتوفين من بطاقات التموين، باعتبار أن استمرار صرف الدعم بأسمائهم يمثل خللًا واضحًا في قواعد الاستحقاق، مؤكدًا أن تحديث قواعد البيانات بصورة مستمرة ضرورة لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه الفعليين.
وأضاف الدكتور شريف فاروق أن من بين الفئات المستهدفة بعمليات التنقية كل من تكشف البيانات الرسمية امتلاكه مؤشرات واضحة على ارتفاع مستوى دخله أو قدرته المالية، بما لا يتناسب مع معايير استحقاق الدعم الموجه إلى الفئات الأكثر احتياجًا، مضيفاً أن عملية تقييم الاستحقاق لا تعتمد على مؤشر واحد، وإنما تستند إلى مجموعة من البيانات والمؤشرات التي تعكس الوضع الاقتصادي والاجتماعي للمواطن، ومن بينها امتلاك سيارات حديثة تزيد قيمتها عن مليون جنيه، أو عقارات وشاليهات ووحدات في منتجعات مرتفعة التكلفة، أو حيازات زراعية تزيد على 10 أفدنة، فضلًا عن أصحاب الشركات والأنشطة الاقتصادية التي تضع أصحابها ضمن شرائح الدخل المرتفعة.
وفيما يتعلق بالتعليم، أكد الدكتور شريف فاروق أن الاستبعاد يشمل الأسر التي تلحق أبناءها بالمدارس الدولية، وكذلك الأسر التي تلحق أبناءها بمدارس خاصة مرتفعة التكاليف، موضحًا أن ارتفاع قيمة المصروفات التعليمية يعد أحد عناصر تقييم القدرة المالية للأسرة، خاصة عندما تتكامل هذه البيانات مع مؤشرات أخرى تؤكد ارتفاع مستوى الدخل والإنفاق، بما يتعارض مع فلسفة الدعم الموجه أساسًا إلى الفئات الأولى بالرعاية.
وأكد وزير التموين أن الهدف من عمليات التنقية ليس المساس بحقوق المواطنين المستحقين، وإنما حماية موارد الدعم وضمان توجيهها إلى مستحقيها الحقيقيين، من خلال الاعتماد على قواعد بيانات محدثة ومعايير واضحة تستهدف تحقيق قدر أكبر من العدالة والكفاءة في توزيع الدعم.
كما أن تنقية المنظومة يمثل إجراءً إصلاحيًا يستهدف سد منافذ الهدر، والحفاظ على المال العام، وتعظيم الاستفادة من الموارد المخصصة للدعم، بما يضمن استمرار وصول الخبز والسلع التموينية إلى المواطنين الأكثر احتياجًا بصورة عادلة ومنضبطة.
وأوضح الوزير أن العدالة الاجتماعية لا تعني أن يحصل القادر وغير القادر على الدعم نفسه، وإنما تعني أن يصل الدعم إلى من يحتاجه بالفعل، وأن تتوقف منافذ الهدر التي تستنزف الموارد المخصصة لحماية محدودي الدخل.
وشدد الدكتور شريف فاروق على أن الوجه الآخر لعملية التنقية هو ضمان حق المواطن في التظلم، وإتاحة الفرصة لإعادة من يثبت استحقاقه إلى منظومة الدعم إذا ثبت أن الاستبعاد تم نتيجة خطأ في البيانات أو التقييم.
وفي هذا الإطار، أوضح الوزير أن وزارة التموين استحدثت لجنة مركزية داخل ديوان عام الوزارة لفحص التظلمات الواردة من المديريات ومكاتب التموين، برئاسة الدكتور محمد شتا مساعد وزير التموين وبمشاركة الجهات المعنية بالجوانب الفنية والقانونية والتشغيلية والرقابية، بهدف التعامل مع الحالات محل التظلم بصورة أكثر دقة وسرعة، مشيراً إلى أن نجاح عملية التنقية لا يرتبط فقط باستبعاد غير المستحق، وإنما بقدرة المنظومة على حماية المستحق، وتصحيح أي خطأ، وإعادة الحق إلى صاحبه متى ثبت استحقاقه.
وهنا.. وبعد أن اطلعتُ عن قرب على معايير الاستبعاد وآليات عمل لجنة التظلمات، أقولها بكل وضوح وأمانة، إن ما تقوم به وزارة التموين في ملف تنقية بطاقات التموين يتجاوز كونه إجراءً إداريًا إلى كونه مهمة وطنية تستهدف حماية أموال الدعم وضمان وصولها إلى مستحقيها الحقيقيين، ولا يمكن منطقيًا الدفاع عن استمرار صرف الدعم باسم متوفى، أو لمواطن يقيم بصورة دائمة خارج البلاد، أو لمن تكشف البيانات الرسمية عن امتلاكه قدرة مالية تتناقض بوضوح مع فلسفة الدعم الموجه إلى الفئات الأكثر احتياجًا، فتنقية المنظومة في هذه الحالات لا تنتقص من حقوق الفقراء، وإنما تحميها، وتعيد توجيه الموارد التي كانت تتسرب إلى غير مستحقيها نحو من هم أولى بها.
لكن الاعتراض المشروع يبدأ عند كيفية التطبيق، فكل معيار، مهما بدا منطقيًا، يحتاج إلى دقة في البيانات وعدالة في التفسير، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأسر محدودة الدخل قد تتشابه بعض ظروفها الظاهرية مع حالات غير المستحقين.
ولهذا يصبح نظام التظلمات صمام الأمان الحقيقي في هذه المنظومة، فالوزارة لا تحتاج فقط إلى قاعدة بيانات دقيقة، وإنما إلى آلية سريعة وشفافة يسمع المواطن من خلالها صوته، ويستطيع إثبات استحقاقه دون الدخول في متاهة إدارية طويلة، خصوصًا في حالات المواطنين المدرجين تحت بند «التعليم الخاص» والتي تحتاج إلى إعادة نظر من مجلس الوزراء، حيث أن هناك آلاف الأسر تم استبعادها من منظومة دعم التموين تحت هذا البند رغم أن أبنائهم في مدارس خاصة بقرى نائية لا تتعدى عشرة آلاف جنيه!.
ومن بين البنود التي تستوجب إعادة النظر من مجلس الوزراء، الأسر التي تم استبعادها من منظومة الدعم تحت بند «الممارسة» في محاضر سرقة التيار الكهربائي، فهؤلاء لا يمكن إدراجهم تحت بند «السرقة» و«اللصوص» فهؤلاء مواطنون شرفاء اضطروا إلى توصيل الكهرباء إلى منازلهم بنظام «الممارسة» بعد أن حرمتهم الحكومة من تركيب العدادات الكهربائية، وهو نظام قائم وواقع وضعته وشرعنته الحكومة، وهنا تبرز ضرورة التمييز بين المخالفة المجرمة قانونًا وبين وجود المواطن تحت نظام قانوني قائم باسم «الممارسة»، حتى لا يتحول إجراء إداري إلى وصمة أو سبب لحرمان أسرة مستحقة من الدعم.
والحقيقة أن نجاح وزارة التموين في هذا الملف يجب ألا يقاس بعدد البطاقات التي تم حذفها، وإنما بعدد المستحقين الذين تم الحفاظ على حقوقهم، وحجم الهدر الذي تم منعه، وسرعة إعادة من يثبت استحقاقه، فالهدف من الإصلاح ليس أن يحصل الفقير على دعم أقل، وإنما أن يحصل المستحق الحقيقي على حقه بصورة أكثر كفاءة وعدالة، وأن تتوقف في المقابل منافذ تسرب الموارد إلى غير مستحقيها.
وأرى أن وزارة التموين أمام فرصة مهمة لإعادة بناء الثقة في منظومة الدعم، شريطة أن تسير عملية التنقية بالتوازي مع ثلاثة مسارات واضحة وهي بيانات دقيقة، ومعايير عادلة، وتظلمات سريعة وفعالة، فالدعم لا تحميه البطاقة وحدها، وإنما تحميه سلامة البيانات، وعدالة الاستحقاق، وكفاءة الإدارة، وسرعة الاستجابة.
وفي النهاية، فإن السؤال الذي يختصر القضية كلها ليس: كم بطاقة ستخرج من منظومة الدعم؟
وإنما: كم أسرة مستحقة ستظل داخل المنظومة؟ وكم جنيهًا من المال العام سيتم إنقاذه من الهدر وتوجيهه إلى من يستحقه؟
وإذا نجحت وزارة التموين في تحقيق هذه المعادلة، فإن تنقية منظومة الدعم لن تكون خصمًا من حقوق الغلابة، وإنما ستكون واحدة من أهم أدوات حماية حقوق الغلابة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض
