أﻃﻔﺎل "ﺷﻘﻴﺎﻧﻴﻦ"
لقمة العيش مغموسة بدم الأبرياء .. والفقر يدفع الأسر للتضحية بأبنائهم
عمالة الأطفال تتحدى القانون والمجلس القومي للطفولة متفرج
ملايينٌ تُنفق على مجالس الحماية والقوانين تخرج من الحجرات المكيفة ولا تنفذ
خبراء: تشغيل الصغار في الورش ليس فقراً بل «إتجار بالبشر"
في غرف المكاتب الأنيقة والتكييفات الباردة، تولد القوانين، وتُصاغ بنود حماية الطفل، وتُرصد الملايين للمجالس والبرامج والخطط، وعلى رصيف واقع مغاير تمامًا، يصحو طفل لم يكتمل نمو عظام جسده بعد، ليمسح عينيه من النعاس، ويستعد لخوض معركة يومية شاقة تفوق عمره بسنوات
المفارقة موجعة؛ بلد يمتلك منظومة تشريعية ولجانًا وبرامج للحماية، تستنزف طرقه وحقوله وورشه طفولة الصغار، وفي ظل خطط الحماية يغادر الأطفال فصول الدراسة إلى ورش الحدادة والميكانيكا والنجارة، بين النار والآلات والمواد الخطرة، في وقت تحظر فيه القوانين تشغيلهم في المهن التي تهدد صحتهم وسلامتهم
وجاء حادث «الدواويس» بالإسماعيلية ليكشف الوجه الأكثر قسوة للظاهرة؛ صبية خرجوا بحثًا عن لقمة العيش، ففقد بعضهم حياته، بينما حمل آخرون إصابات ستبقى شاهدًا على المأساة. لم يكن الحادث مجرد واقعة عابرة، بل جرس إنذار بأن المأساة قد تتكرر ما دامت وسائل نقل مكشوفة تنقل الأطفال مع الفجر إلى الحقول والمزارع، حيث يعملون بين أشجار المانجو والفراولة والبرتقال والجوافة، أو يجمعون لساعات الطماطم والفلفل والخيار والبصل والبطاطس تحت لهيب الشمس الحارقة من أجل حفنة من الجنيهات التى لا يثمن ولا تغني من جوع.
وخلف هذا النزيف اليومي للطفولة، تتشابك أسباب عدة، في مقدمتها الفقر والتسرب من التعليم، إلى جانب اعتقاد بعض الأسر بأن «تعلم الصنعة» طريق أسرع للمستقبل، فضلًا عن أصحاب ورش ومزارع يجدون في عمالة الأطفال وسيلة لسد نقص العمالة وخفض التكلفة
وبينما تضع التشريعات ضوابط واضحة لتشغيل الأطفال وتحظر الأعمال الخطرة، تكشف الورش والحقول والمصانع عن فجوة بين القانون والتطبيق.
القوانين موجودة

ورغم أن محمود البدوي، المحامي بالنقض والخبير الحقوقي، أكد أن مصر تمتلك منظومة تشريعية متكاملة لحماية الأطفال، إلا أن الواقع يقول غير ذلك، وهو ما دفع البدوي إلى التأكيد على أن هناك تحديا حقيقيا يتمثل في ضعف إنفاذ القوانين على أرض الواقع، وعدم وصول جهود الحماية والتوعية إلى الفئات الأكثر احتياجًا
وقال البدوي لـ«الوفد»، إن قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 وتعديلاته، ولائحته التنفيذية، إلى جانب الدستور والاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، توفر إطارًا قانونيًا لحماية الأطفال من الاستغلال الاقتصادي والعمل في الظروف التي تهدد حياتهم أو سلامتهم.
وأوضح أن الظروف الاقتصادية الصعبة قد تدفع بعض الأسر إلى تشغيل أطفالها، لكنها لا تبرر حرمانهم من التعليم أو تعريضهم للخطر، مشددًا على أن أي تدريب أو عمل يسمح به القانون يجب أن يتم وفق الضوابط التي تحمي الطفل من الإصابات والاستغلال وساعات العمل المرهقة والبيئات الخطرة.
وانتقد البدوي التعامل مع عمالة الأطفال فقط بعد وقوع الحوادث، مؤكدًا أن مواجهتها مسؤولية مشتركة بين الدولة والأسرة والمجتمع والأجهزة التنفيذية والمجتمع المدني والإعلام، مع ضرورة تعريف الأسر ببرامج الحماية الاجتماعية، ومنها «تكافل وكرامة»، والمبادرات التي تساعد الأسر الأكثر احتياجًا.
وشدد على أن دور المحافظين يجب ألا يقتصر على التصريحات، وإنما تفعيل لجان حماية الطفولة ورصد الأطفال الأكثر عرضة للاستغلال والتدخل المبكر، مؤكدًا أهمية الوصول إلى القرى والمناطق الفقيرة.
وأشار إلى أن التوعية الأكثر تأثيرًا هي التي تخاطب الأسرة بخطورة ما يتعرض له الطفل، وليس بمجرد سرد العقوبات، موضحًا أن الأب الذي يعتبر ابنه مصدرًا للأمان والفرحة يجب أن يسأل نفسه: هل يقبل أن يضعه في سيارة غير آمنة أو ورشة خطرة أو مصنع يحتوي على آلات تهدد حياته؟
وفيما يتعلق بمسؤولية الأسرة، أوضح البدوي أن قانون مكافحة الاتجار بالبشر رقم 64 لسنة 2010، وتحديدًا المادة السادسة في فقرتها السادسة، شدد العقوبة إذا وقع الاستغلال من أحد أقارب الطفل أو أفراد أسرته أو ممن يتولون رعايته.
وأكد أن الأصل أن يكون الأب أو متولي الرعاية مصدرًا لحماية الطفل، فإذا ثبت تعمد دفعه إلى أعمال تهدد حياته أو سلامته، فإن الواقعة تستوجب الفحص من جهات التحقيق، وقد تمتد المسؤولية القانونية إلى الأسرة وفقًا لما تثبته التحقيقات والأدلة، خاصة في حالات الإجبار أو الاستغلال أو وقوع إصابة أو وفاة.
وشدد على أن العوز المادي لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لإعفاء من يتعمد استغلال الطفل من المسؤولية، قائلًا: «الطفل لا ينبغي أن يتحمل فاتورة الظروف الاقتصادية للكبار"
حين تُدفع الطفولة ثمنًا للقمة العيش

قال الدكتور أحمد محسن قاسم، المحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة، إن المشكلة الأساسية في مواجهة عمالة الأطفال في مصر لا ترتبط بنقص التشريعات، وإنما بضعف التنفيذ والرقابة، خاصة في الورش والمصانع الصغيرة والقطاع غير الرسمي، رغم وجود منظومة قانونية تنظم تشغيل الأطفال وتحظر تعرضهم للأعمال الخطرة.
وأوضح قاسم، في تصريح خاص لـ«الوفد»، أن قانون العمل المصري الجديد رقم 14 لسنة 2025 خصص المواد من 61 إلى 68 لتنظيم تشغيل الأطفال، وحظر تشغيل من لم يبلغ 15 عامًا، مع السماح بالتدريب من سن 14 عامًا وفق الضوابط القانونية، إلى جانب وضع قيود على ساعات العمل ونوعية الأعمال المسموح بها، بما يتكامل مع قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 المعدل بالقانون 126 لسنة 2008، الذي نظم تشغيل الأطفال وحظر الأعمال التي تعرض صحتهم أو سلامتهم أو أخلاقهم للخطر.
وأشار إلى أن المادة 289 من قانون العمل الجديد قررت عقوبات مالية على مخالفات تشغيل الأطفال، تتعدد بتعدد الأطفال وتُضاعف في حالة العود، مع إمكانية غلق المنشأة عند تكرار المخالفة، إلا أنه يرى ضرورة تشديد العقوبات في حالات التشغيل بالأعمال الخطرة، بما يسمح بغلق المنشأة من المخالفة الأولى إذا ترتب على تشغيل الطفل تعريض حياته أو سلامته لخطر جسيم.
وأكد أن المسؤولية لا تقع على صاحب العمل وحده، إذ تحظر المادة 68 من قانون العمل على الأبوين أو متولي أمر الطفل تشغيله بالمخالفة لأحكام القانون، كما يوفر قانون الطفل حماية إضافية، حيث تعتبر المادة 96 الطفل معرضًا للخطر إذا تعرض أمنه أو صحته أو حياته للخطر، أو حُرم من التعليم الأساسي أو أصبح مستقبله التعليمي مهددًا.
وأوضح أن مسؤولية ولي الأمر يمكن أن تمتد بحسب ظروف كل واقعة، خاصة إذا أجبر الطفل على ترك التعليم والعمل في بيئة خطرة، مؤكدًا أن ذلك لا يعني تحميل الأسر الفقيرة وحدها عبء الظاهرة، وإنما ضرورة بحث أسباب دفع الطفل إلى سوق العمل.
وشدد قاسم على أن المواجهة الفعالة لا تتطلب زيادة الغرامات فقط، وإنما بناء منظومة متكاملة تربط قانون العمل بقانون الطفل، وتكثف التفتيش على الاقتصاد غير الرسمي، وتشدد العقوبات على استغلال الأطفال في الأعمال الخطرة، مع تحديد مسؤولية كل من صاحب العمل وولي الأمر وفقًا لدوره في الواقعة.
واختتم بالتأكيد على أن الهدف لا ينبغي أن يقتصر على منع الطفل من العمل، وإنما معالجة الظروف التي دفعته إلى سوق العمل، وإعادته إلى التعليم، وتوفير الحماية الاجتماعية لأسرته، وضمان حقه في الحماية والنمو الآمن.
ضحية وليس عامل

من ناحية أخرى أكد الدكتور محمد ممدوح، عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان وأمين اللجنة الاقتصادية، أن عمالة الأطفال ليست مجرد مخالفة لقانون العمل، مشددًا على أن الطفل الذي يصل إلى سوق العمل في سن التاسعة «ضحية قبل أن يكون عاملًا»، وأن التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل النصوص القانونية إلى حماية فعلية تصل إلى الحقل والورشة والقطاع غير الرسمي.
وقال ممدوح لـ«الوفد»، إن مصر تمتلك إطارًا دستوريًا وتشريعيًا لحماية الطفل، إلا أن استمرار الظاهرة يرتبط بعوامل اقتصادية واجتماعية وتعليمية، أبرزها الفقر والتسرب من التعليم واتساع العمل غير الرسمي والعمالة الموسمية، إلى جانب الوسطاء الذين يصعب الوصول إليهم بآليات الرقابة التقليدية
وأوضح أن حادث الدواويس كشف جانبًا قاسيًا من المشكلة، متسائلًا: «كيف وصل طفل في التاسعة من عمره أصلًا إلى سوق العمل؟»، وشدد على عدم اختزال المسؤولية في الأسرة، إذ قد تدفعها الظروف الاقتصادية إلى الاعتماد على دخل أطفالها، مؤكدًا أن تفهم هذه الظروف لا يعني قبول تشغيل الطفل، وإنما معالجة أسباب دخوله إلى سوق العمل ومساءلة من يستغله اقتصاديًا.
وأشار إلى أن التحدي الأكبر هو صعوبة الوصول إلى أماكن العمل غير الرسمية، مطالبًا بتطوير التفتيش وفق منهج قائم على المخاطر، مع التركيز على القطاعات والمناطق الأكثر عرضة لتشغيل الأطفال، وتعزيز التنسيق بين جهات التعليم والعمل والحماية الاجتماعية والطفولة.
وأكد أن نجاح الرقابة لا يقاس بعدد المحاضر، وإنما بعدد الأطفال الذين تم إخراجهم من العمل الخطر وإعادتهم إلى التعليم وضمان عدم عودتهم إليه، موضحًا أن عمالة الأطفال تهدد حقوقًا متعددة، من بينها التعليم والصحة والسلامة، فضلًا عن الاستغلال والعنف والإهانة
وأكد ممدوح أن سلامة العامل يجب ألا تبدأ من بوابة المنشأة فقط، بل من الطريق إليها أيضًا، خاصة إذا كانت وسيلة الانتقال جزءًا من ترتيبات التشغيل
وحول العقوبات، أوضح أن تشديدها مهم، لكن الردع الحقيقي يرتبط بيقين المخالف بوجود تفتيش فعلي ومساءلة جادة، مطالبًا بمحاسبة كل من يثبت تورطه في تشغيل الأطفال، سواء صاحب عمل أو وسيطًا.
وشدد على أن إخراج الطفل من العمل دون معالجة أسباب دخوله إليه قد يدفعه إلى مكان آخر، داعيًا إلى تطبيق مفهوم «إدارة حالة الطفل والأسرة»، عبر تحديد أسباب عمله، وإعادته إلى التعليم، ومتابعة انتظامه، وربط الأسر المستحقة ببرامج الحماية الاجتماعية والتمكين الاقتصادي.
وطالب بإعداد خريطة وطنية لعمالة الأطفال، وتوجيه التفتيش إلى القطاعات والمناطق الأعلى خطورة، وربط التسرب من التعليم بالحماية الاجتماعية، مع متابعة الطفل والأسرة بعد خروجه من العمل، خاصة في الزراعة والعمالة الموسمية وغير المنتظمة.
واختتم ممدوح بالتأكيد على أنه «لا يجوز أن نعاقب الأسرة على فقرها، وفي الوقت نفسه نترك من يحقق منفعة اقتصادية من تشغيل طفل بعيدًا عن المساءلة»، مشددًا على أن أفضل تكريم لضحايا الدواويس هو منع تكرار المأساة.
ظاهرة عاليمة

ورغم تراجع أعداد الأطفال العاملين في العالم من نحو 250 مليونًا عام 2000 إلى قرابة 150 مليونًا حاليًا، إلا أن الدكتور ياسر حسين سالم، الخبير الاقتصادي والمالي الدولي يرى أن هذه الظاهرة ما زالت ظاهرة عالمية يزيد انتشارها في الدول النامية
وأوضح سالم لـ«الوفد»، أن طبيعة عمالة الأطفال في مصر تختلف بحسب البيئة؛ ففي المدن تنتشر بالورش والمصانع الصغيرة والأعمال اليدوية، بينما تتركز في الريف والمناطق النائية في جمع المحاصيل الزراعية والخضروات. مشيرا إلى أن الفقر والتسرب من التعليم من أبرز أسباب الظاهرة، إذ يلتحق الطفل بالورش مبكرًا ويتدرج في اكتساب مهارات المهن الفنية، كما تجذب الحقول الأطفال بسبب العائد المادي الذي قد يصل إلى نحو نصف أجر العامل البالغ
وأكد أن برامج الحماية الاجتماعية، ومنها «تكافل وكرامة»، إلى جانب التعليم الحكومي، تساعد الأسر لكنها لا تغطي جميع أعبائها، خاصة تكاليف الأدوات والكتب والدروس، ما يجعلها غير كافية وحدها للقضاء على الظاهرة.
وأضاف أن أصحاب الورش والمصانع والمزارع يلجأون إلى العمالة الصغيرة لتعويض نقص العمالة الفنية، مع سفر العمالة الماهرة للخارج أو اتجاهها لإقامة مشروعات خاصة، وارتفاع الطلب على المهن والحرف الفنية.
وحذر من أن التسرب من التعليم يمثل خسارة اقتصادية واجتماعية، لكونه يضعف الاستثمار في رأس المال البشري ويؤثر في التعليم والثقافة والإنتاجية. واقترح الاستفادة من سن التدريب المسموح به قانونًا، ببدء التدريب المهني من سن 14 عامًا مع استمرار التعليم، ثم الانتقال إلى العمل الرسمي عند 15 عامًا، بما يحقق التوازن بين التعليم والتدريب والدخل ويوفر العمالة الفنية دون تكريس عمالة الأطفال.
العمل المبكر يسرق الطفولة

وعن الأثر النفسي لتشغيل الأطفال قالت الدكتورة عبير عبدالله، الاستشاري النفسي والتربوي، إن تشغيل الأطفال مبكرًا يحرمهم من حقوق أساسية في التعليم والرعاية والنمو الآمن، ويعرضهم لمخاطر نفسية واجتماعية وجسدية تفوق قدراته.
وأوضحت، في حديثها لـ«الوفد»، أن العمل قد يؤدي إلى إهمال التعليم والتسرب من المدرسة، ويعرض الأطفال للحوادث والاستغلال؛ فالعاملون في الشوارع والإشارات يواجهون مخاطر متعددة، بينما يتعرض أطفال الورش لأخطار النار والحديد والمعدات.
وأكدت أن الطفولة مرحلة للأمان والتعلم واكتساب الخبرات تدريجيًا، وليست لتحمل مسؤوليات العمل وإعالة الأسرة. وأشارت إلى أن بعض الأسر تضطر إلى تشغيل أطفالها بسبب ظروف قاسية، مثل وفاة الأب أو عجزه عن العمل أو مرض الأم أو ترملها، بينما تلجأ أسر أخرى إلى ذلك رغم قدرتها على الإنفاق، نتيجة معتقدات اجتماعية خاطئة تعتبر الأبناء مصدرًا للدخل
ولفتت إلى أن الطفل العامل أكثر عرضة للقلق والخوف والعنف والاستغلال والمخدرات والحوادث، وقد يصبح فريسة سهلة للاستغلال في التسول أو السرقة وغيرها
وشددت على أن حماية الطفل تتطلب دعم الأسر اقتصاديًا بما يضمن احتياجات أطفالها دون التضحية بالتعليم والأمان، مؤكدة أن الأصل ألا يعمل الطفل مبكرًا، وأن مسؤولية الدولة والمجتمع تتمثل في معالجة أسباب الظاهرة وضمان بقاء الأطفال داخل منظومة التعليم والرعاية والحماية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض