لم تعد أزمة الدروس الخصوصية في مصر مجرد ظاهرة تعليمية عابرة، بل أصبحت عبئاً اقتصادياً واجتماعياً يضغط بشدة على الأسر، خاصة مع الارتفاع المستمر في أسعار الدروس، ووصول سعر الدرس الواحد في بعض المناطق إلى 100 جنيه أو أكثر، والمشكلة لا تتوقف عند قيمة الدرس، وإنما في عدد الدروس والمواد التي يحتاجها الطالب أسبوعياً، لتتحول في النهاية إلى فاتورة شهرية ترهق ميزانية الأسرة.
والسؤال الذي يجب أن نطرحه هنا ليس فقط.. لماذا ارتفعت أسعار الدروس الخصوصية؟ وإنما السؤال الأهم.. لماذا أصبح الطالب يشعر أنه لا يستطيع الاستغناء عنها؟
المدرسة من المفترض أن تكون المكان الأساسي الذي يحصل فيه الطالب على التعليم والشرح والتدريب، بينما يكون الدرس الخصوصي وسيلة إضافية للطالب الذي يحتاج إلى مزيد من التوضيح أو التدريب، لكن الواقع في بعض المدارس يشير إلى أن هناك طلاباً وأولياء أمور يشعرون بأن ما يحصل عليه الطالب داخل الفصل لم يعد كافياً لفهم المنهج، وهو ما يدفعهم إلى اللجوء للدرس الخصوصي باعتباره ضرورة وليس اختياراً.
الأكثر خطورة أن هناك شكاوى من ممارسات يقوم فيها بعض المعلمين بتقليل مستوى الشرح داخل الفصل، أو الاكتفاء بشرح محدود، ثم توجيه الطلاب بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى الدروس الخصوصية، وإذا ثبت تعمد أي معلم القيام بذلك، فإن الأمر لا يصبح مجرد مخالفة مهنية، وإنما يتحول إلى اعتداء على حق الطالب في الحصول على تعليم كامل داخل المدرسة.
ولا يجوز بالطبع تعميم الاتهام على جميع المعلمين؛ فهناك أعداد كبيرة من المعلمين الذين يؤدون رسالتهم بإخلاص، ويعملون في ظروف صعبة، ويتحملون أعباء الفصول المزدحمة وضغوط العمل وضعف الإمكانات، لكن وجود حالات تستغل حاجة الطلاب إلى الشرح لتحقيق دخل إضافي يضر بصورة المهنة ويهز ثقة المجتمع في المدرسة والمعلم معاً.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل الظروف الاقتصادية التي يعيشها المعلم. فالمعلم مثل غيره يواجه ارتفاع تكاليف المعيشة، وقد يرى في الدروس الخصوصية مصدراً ضرورياً لتحسين دخله، ومن هنا تصبح القضية أكثر تعقيداً؛ لأن معالجة الدروس الخصوصية لا يمكن أن تتم فقط بملاحقة المعلم أو إصدار قرارات تمنع الدروس، بينما يبقى راتبه وظروف عمله دون معالجة حقيقية.
تحسين دخل المعلم لا يعني أبداً السماح بحرمان الطالب من الشرح داخل المدرسة، وهناك فارق واضح بين أن يقدم المعلم خدمة تعليمية إضافية لمن يرغب فيها، وبين أن يشعر الطالب بأن عليه دفع المال حتى يحصل على الشرح الذي يفترض أن يحصل عليه داخل الفصل.
وصول سعر الدرس إلى 100 جنيه يبدو للبعض رقماً بسيطاً، لكنه يصبح رقماً كبيراً عندما يتكرر أسبوعياً وفي أكثر من مادة، ومع وجود أكثر من طالب في الأسرة، يمكن أن تتحول الدروس الخصوصية إلى أحد أكبر بنود الإنفاق الشهري، خصوصاً بالنسبة للأسر محدودة ومتوسطة الدخل.
وهنا تظهر مشكلة أخرى أكثر خطورة، وهي غياب تكافؤ الفرص، فالطالب الذي تستطيع أسرته دفع تكلفة الدروس يحصل على وقت إضافي وشرح إضافي وتدريب ومراجعة، بينما قد يجد الطالب غير القادر نفسه مضطراً للاعتماد على شرح المدرسة وحده، حتى لو كان هذا الشرح غير كافٍ بالنسبة إليه.
وبذلك يصبح المال عاملاً مؤثراً في فرص الطالب التعليمية، ويتحول التعليم تدريجياً من حق أساسي إلى خدمة يستطيع البعض الحصول عليها بصورة أفضل كلما امتلك قدرة مالية أكبر.
كما أن انتشار الدروس الخصوصية بهذا الشكل يضع الأسرة أمام معادلة صعبة وهي إما أن تدفع، أو تخاطر بأن يتراجع مستوى ابنها مقارنة بزملائه، وفي كثير من الأحيان لا تدفع الأسرة لأنها مقتنعة بأهمية الدرس، وإنما لأنها تخشى أن يكون عدم الدفع سبباً في تأخر ابنها دراسياً.
وهذا تحديداً هو ما يجعل ظاهرة الدروس الخصوصية بحاجة إلى مواجهة جادة، فالمطلوب ليس إعلان الحرب على الدروس، وإنما إصلاح المدرسة التي جعلت الدرس ضرورة.
كما يجب أن يشعر الطالب بأن المدرسة هي المكان الأول الذي يحصل فيه على المعرفة، وأن المعلم مطالب بتقديم شرحه كاملاً داخل الفصل، وأن أي تدريب أو مراجعة إضافية تأتي بعد ذلك كخدمة مساندة وليست بديلاً عن التعليم الأساسي.
ومن الضروري أيضاً أن تكون هناك متابعة حقيقية لجودة الشرح داخل الفصول، وليس الاكتفاء بمتابعة حضور المعلم وانصرافه، فالمعيار الحقيقي لنجاح المدرسة ليس عدد المعلمين الموجودين في المبنى، وإنما ما يتعلمه الطالب بالفعل داخل الفصل.
وفي الوقت نفسه، يجب تحسين أوضاع المعلمين مادياً ومهنياً، وتخفيف الأعباء الإدارية عنهم، وتقليل كثافات الفصول، وتوفير التدريب المستمر، حتى يستطيع المعلم أداء رسالته بصورة أفضل.
والسؤال الذي يجب أن يشغلنا جميعاً ليس: كيف نمنع الدروس الخصوصية؟ وإنما: كيف نجعل الطالب لا يحتاج إليها إلا إذا أراد المزيد؟، فالتعليم الجيد لا ينبغي أن يكون مرتبطاً بقدرة الأسرة على الدفع، والمعلم لا ينبغي أن يضطر إلى تحويل رسالته إلى سوق، والطالب لا ينبغي أن يدفع مرتين مقابل حقه في التعلم.
وللحديث بقية...
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض