رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

فؤاد باشا سراج الدين..

 

فى ذكرى رحيله.. من قصر جاردن سيتى إلى معركة الإسماعيلية وعودة الوفد.. حكاية زعيم اختار الحقيقة حين كان الصمت أسهل.

لم يكن فؤاد باشا سراج الدين بالنسبة لى مجرد اسم كبير فى كتب التاريخ، أو رئيس لحزب الوفد الذى كنت أعمل فى صحيفته. كان واحدًا من أوائل الذين تركوا فى بدايات حياتى الصحفية درسًا لا أنساه: أن الزعيم الحقيقى لا يخاف من الحقيقة، حتى عندما تكون الحقيقة محرجة لأصحاب السلطة.

أتذكر جيدًا ذلك اليوم الذى تلقيت فيه طلبًا برؤيته فى مقر إقامته بقصر جاردن سيتى.

لم أكن وحدى من شعر بالقلق؛ كان الجميع تقريبًا يظن أن الاستدعاء يحمل عقابًا أو توبيخًا، وربما تمهيدًا لإبعادى عن جريدة الوفد، بعد تحقيق صحفى أثار غضب وزير الداخلية وقتها اللواء زكى بدر.

كان التحقيق عن واقعة شديدة القسوة فى مفارقتها: استيراد أغلى أنواع اللحوم لإطعام كلاب السجون، بينما كان المصريون يأكلون ما هو فاسد، وأحيانًا ما يُجمع من القمامة.

كان تحقيقًا عن صحة الناس، وعن الفساد، وعن الفارق الصادم بين ما تحصل عليه كلاب السجون وما يضطر إليه مواطنون بسطاء.

وزاد الأمر اشتعالًا ما عُرف وقتها بقضية «فراخ توفيق عبدالحي»، حتى وصل الأمر، كما أتذكر، إلى المطالبة بمعاقبتى والاستغناء عنى.

ذهبت إلى فؤاد باشا سراج الدين وأنا أتوقع الأسوأ.

لكن الرجل فاجأنى.

لم يوبخنى.. بل أثنى على التحقيق.

ولم يطلب منى أن أتراجع، أو أهدأ، أو أبحث عن موضوعات أقل إزعاجًا.

على العكس، طالبنى بأن أستمر فى مناقشة كل ما يتعلق بصحة الناس، وأن أواصل كشف أوجه الفساد داخل الأجهزة والمؤسسات.

فى تلك اللحظة فهمت شيئًا لم أفهمه من كتب التاريخ:

أن عبارة «الحق فوق القوة» لم تكن شعارًا وفديًا بالنسبة إليه، وإنما كانت طريقة حياة.

الزعيم الذى جاء من مدرسة سعد والنحاس، ربما لهذا يصعب اختصار فؤاد سراج الدين فى قائمة مناصبه.

كان واحدًا من أبناء مدرسة سعد زغلول، ومكملًا لتراث مصطفى النحاس، ومدرسة سياسية كانت ترى أن الوفد ليس مجرد حزب، وإنما تعبير عن الأمة المصرية.

تولى سراج الدين عددًا من المناصب الوزارية، وكان من أصغر الوزراء سنًا، لكن القيمة الحقيقية فى تاريخه لم تكن فى المناصب، وإنما فى المواقف التى اختُبر فيها.

وأبرزها كان 25 يناير 1952، عندما كان وزيرًا للداخلية ووقعت معركة الإسماعيلية بين قوات الشرطة المصرية والقوات البريطانية.

رفض رجال الشرطة الاستسلام، وواجهوا الاحتلال، وسقط منهم شهداء ومصابون، لتتحول المعركة إلى واحدة من صفحات المقاومة الوطنية، ويصبح 25 يناير عيدًا للشرطة المصرية.

ثم عاد الوفد.. وعاد معه الباشا

بعد ثورة يوليو وإلغاء الأحزاب، ابتعد سراج الدين عن الحياة السياسية وتعرض للاعتقال.

لكن الوفد لم يغادره.

ومع عودة التعددية الحزبية، عاد هو أيضًا ليعيد إحياء حزب الوفد الجديد، ويتولى رئاسته حتى وفاته.

لم يكن الرجل بحاجة إلى حزب كى يصنع مجدًا لنفسه؛ فقد كان تاريخه قد سبقه.

لذلك كانت عودته إلى الوفد أقرب إلى عودة ذاكرة وطنية إلى الحياة السياسية.

عاد حاملًا ميراث سعد والنحاس، لكنه لم يكن صورة من أحد.

كان فؤاد سراج الدين.. الزعيم الذى عرف أن السياسة موقف قبل أن تكون سلطة.

بعد 26 عامًا.. يبقى الموقف

فى ذكرى رحيله السادسة والعشرين، لا أتذكر فؤاد سراج الدين فقط باعتباره زعيم الوفد أو وزير الداخلية الذى ارتبط اسمه بمعركة الإسماعيلية.

أتذكره أيضًا من ذلك اليوم فى قصر جاردن سيتى.

أتذكر كيف دخلت وأنا أظن أننى ذاهبة إلى جلسة عقاب، وخرجت وأنا أحمل تشجيعًا من رجل كان يستطيع أن يخاف من غضب السلطة، لكنه اختار أن ينحاز إلى حق الصحفى فى أن يسأل، وحق المواطن فى أن يعرف، وحق الناس فى غذاء آمن وصحة مصانة.

وربما لهذا بقى فؤاد باشا سراج الدين كبيرًا فى الذاكرة.

فبعض الزعماء يتركون وراءهم المناصب.

أما هو، فترك موقفًا.

موقفًا يلخصه الشعار الذى آمن به:

الحق فوق القوة.. والأمة فوق الحكومة.

رحم الله فؤاد باشا سراج الدين، الذى علمنى فى واحدة من أهم لحظات بداياتى الصحفية أن أخطر ما يمكن أن يفعله الصحفى ليس أن يقول الحقيقة، وإنما أن يخاف من قولها.