ما اللغة التي أصبح المصريون يتحدثون بها اليوم؟
ليست العربية الفصحى، وهذا مفهوم وليست العامية المصرية التي عرفناها وأحبتها الأجيال، بما حملته من رقي، وخفة ظل، وجمال في التعبير، وليست أيضا ً تلك اللغة الوسطى التي جمعت بين سلامة الفصحى وبساطة العامية، وكانت لسنوات طويلة لغة المصريين في بيوتهم ومدارسهم وإعلامهم ودراماهم.
أما اليوم؛ فنحن أمام لغة جديدة، تتراجع في مفرداتها، وتضعف في تعبيراتها، ويفتقد كثير منها الذوق الذي عُرف به المجتمع المصري .. ولم تعد هذه اللغة تعبر عن الفصحى، ولا عن العامية المصرية الراقية، بل أصبحت نتاجا ً لسنوات من التراجع في المرجعيات التي كانت تصنع الكلمة، وتحترمها، وترتقي بها.
ولهذا، فإن الحديث عن لغة المصريين لا ينبغي أن ينحصر في قواعد النحو، ولا في المقارنة بين الفصحى والعامية، لأن القضية في حقيقتها ليست قضية لغة، وإنما قضية مرجعيات تصنع اللغة، ثم تصنع معها الإنسان.
فاللغة لا تُدرَّس بقدر ما تُعاش، ولا تُحفظ بالقواعد وحدها، بل تصنعها «البيئة اللغوية» التي ينشأ فيها الإنسان.
ولم يكن المصري يتعلم اللغة من المدرسة وحدها، بل كان يتعلمها كل مساء من المذيع، ومن الممثل، ومن الكاتب، ومن المطرب .. وكانت الكلمة الراقية تعيش معه في البيت، وفي الإذاعة، وعلى شاشة التليفزيون، حتى أصبحت جزءا ً من حياته اليومية، لا مجرد مادة دراسية.
وكانت المدرسة المصرية تغرس احترام اللغة قبل أن تعلم قواعدها، ثم تأتي الجامعة لتستكمل هذا البناء، فيخرج الأستاذ الجامعي إلى طلابه حاملا ً علمه، وحسن لغته، واحترامه للعقل.
ثم يأتي الإعلام؛ الذي لم يكن يختار المذيع لحسن صوته فقط، بل لسلامة لغته، وسعة ثقافته، وقدرته على إدارة حوار يضيف إلى عقل المشاهد قبل أن يجذب انتباهه.
لم تكن الإعلامية الكبيرة ليلى رستم حالة استثنائية؛ بل كانت واحدة من مدرسة إعلامية مصرية رفيعة، ضمت الأساتذة حمدي قنديل، وسلوى حجازي، وفايزة واصف، وآمال فهمي، ومحمد أنور، وأحمد فراج، وجلال معوض، وغيرهم كثير ممن قدموا نموذجا ً للإعلام الذي يصنع الذوق، ويرتقي باللغة، ويحترم عقل المشاهد.
ويكفي أن نتذكر تلك الحلقة التاريخية التي استضافت فيها ليلى رستم عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، وسط نخبة من كبار مفكري وأدباء مصر، يتقدمهم نجيب محفوظ، ويوسف السباعي، وثروت أباظة، وعبد الرحمن الشرقاوي، ومحمود أمين العالم، وأنيس منصور، وعبد الرحمن بدوي.
لم يكن ذلك استعراضا ً للأسماء، بل كان تعبيرا ً عن فلسفة إعلامية تؤمن بأن الارتقاء بعقل المشاهد جزء من رسالتها.
ولم تكن الدراما المصرية أقل تأثيرا ً من الإعلام، فقد قدمت للمجتمع لغة راقية، وحوارا ً محترما ً، وشخصيات تعكس قيم المجتمع وثقافته.
وكذلك كانت الأغنية المصرية، التي حافظت طويلا ً على جمال الكلمة، حتى جاءت موجات فنية جعلت الكلمة في كثير من الأحيان مجرد وسيلة لإثارة الانتباه، لا لبناء الذوق.
الآن ومن المؤسف؛ أن يتحول «التريند» من مؤشر لقياس اهتمام الجمهور إلى منهج يحكم صناعة الإعلام والفن، بينما كانت رسالة الإعلام في زمنه الجميل أن يصنع الذوق العام، لا أن ينقاد إليه.
ولكي نكون منصفين، فالمشكلة ليست في العامية المصرية، فقد خرج من رحمها بيرم التونسي، وصلاح جاهين، وفؤاد حداد، وغيرهم من المبدعين الذين كتبوا عامية راقية، لأنها كانت تستند إلى مرجعية ثقافية ولغوية رفيعة .. فالقضية ليست عامية في مواجهة فصحى، وإنما بيئة لغوية راقية في مواجهة بيئة لغوية متدهورة.
حين تدهورت «البيئة اللغوية» المصرية، لم تتراجع الفصحى وحدها، ولم تتغير العامية وحدها، بل وُلدت لغة جديدة، انعكست على طريقة الحديث، وأسلوب الحوار، وحتى على الذوق العام.
فاللغة ليست مجرد أصوات ننطقها، ولا كلمات نكتبها، وإنما هي الصورة التي يرى بها المجتمع نفسه .. وإذا ارتقت لغتنا، ارتقى حوارنا، وارتقى فكرنا، وارتقى اختلافنا .. أما إذا تركناها تتراجع، فلن تكون اللغة وحدها هي الخاسر، بل سيخسر معها الذوق والثقافة والهوية وأسلوب التفكير.
ولهذا، فإن مراجعة لغة المصريين لم تعد ترفا ً ثقافيا ً، بل أصبحت ضرورة وطنية؛ لأننا حين نراجع اللغة التي يتحدث بها المجتمع، فإننا في الحقيقة نراجع البيئة التي تصوغ وعي الإنسان المصري نفسه.
فالأمم لا تبدأ نهضتها من القواميس، وإنما من المرجعيات التي تُعلِّم أبناءها كيف يفكرون، وكيف يتحاورون، وكيف يحترمون الكلمة؛ لأن الكلمة تصوغ الوعي، والوعي يصنع السلوك، والسلوك يبني المجتمع.
ومن هنا، أرى أن الوقت قد حان لكي تتبنى الأحزاب السياسية، ممثلة في هيئاتها البرلمانية، هذه القضية باعتبارها قضية وطنية تتجاوز حدود اللغة إلى بناء الإنسان المصري، وأن تدعو إلى مؤتمر قومي عام برعاية فخامة السيد رئيس الجمهورية، تشارك فيه مؤسسات التعليم والثقافة والإعلام والجامعات ومجمع اللغة العربية، إلى جانب نقابات الإعلاميين والصحفيين والكتاب والفنانين.
مؤتمر لا ينتهي إلى كلمات وتوصيات تحفظ في الأدراج !.. وإنما إلى استراتيجية وطنية لإعادة بناء البيئة اللغوية المصرية، تحدد مسؤولية المدرسة والجامعة والإعلام والدراما والأغنية والمؤسسات الثقافية، وتضع آليات واضحة للتنفيذ والمتابعة.
فالمطلوب ليس أن يعود المصريون إلى الحديث بالفصحى في بيوتهم وشوارعهم، ولا أن نتجمد أمام لغة زمن مضى، وإنما أن نستعيد شيئا ً أهم بكثير:
أن تصبح الكلمة الجميلة والمحترمة مرة ً أخرى جزءا ً طبيعيا ً من حياة المصريين.
وحين تستعيد الكلمة مكانتها، يستعيد المجتمع شيئا ً من ذوقه، وحواره، ووعيه؛ لأن إصلاح اللغة في النهاية ليس إصلاحا ً للكلمات وحدها .. بل إصلاح للبيئة التي تصنع الإنسان.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض