رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

كشفت الضجة التي صاحبت قرار المستثمر الإماراتي "العبار"، مالك "مستوطنة" مراسي بالساحل الشمالي، بفرض اشتراك لدخول الشاطيء قدره 3 آلآف دولار، يسمح للمشترك بالدخول 3 مرات في الشهر، أي ألف دولار لكل مرة، بالمخالفة للمادة 45 من الدستور تنص أن البحار والأنهيار ملكية عامة، عن عوار كبير في تعاقدات الدولة مع المستثمرين في الأراضي المصرية، يسمح للمستثمر الأجنبي بفرض ما يراه محققًا لمصلحته الخاصة، بغض النظر عن تعارضها مع مصالح ملاك الوحدات وقوانين الدولة، ولا تملك الجهات المسئولة أدنى فرصة للتدخل، لأن قانون الاستثمار أعطى للمستثمر المنمي العقاري امتيازات هائلة، في ظل لهفة الدولة على جذب المطورين العقاريين، للاستثمار في الأراضي المصرية، فلا ضوابط واضحة وحازمة تقيد قراراته وترشدها، فصار المستثمر المطور أو المنمي العقاري، صاحب سلطة مطلقة، لا يقدر على وقفه قانون، فالعقد شريعة المتعاقدين، والعقود تطلق يد المستثمر ليفعل ما يشاء في ملكه، وليصير دولة داخل الدولة، لدرجة تحدى قوانين البلد التي تمنع التعامل بغير العملة الوطنية.

شخصيًا لست معنيًا بما حدث ويحدث في "مراسي"، فلست من أصحاب الملايين، الذين اختاروا الانعزال عن مواطنيهم فيها، فقط اهتمامي بها نابع من قلقي كمواطن على سيادة مصر، فأراضي مصر وشواطئها جزء من أملاك الشعب المصري كله، والتفريط فيها بالبيع بحجة التنمية والاستثمار، هو تفريط في السيادة المصرية، وبيع مستقبل أبنائنا، ولهذا أرفض كليًا بيع أي قطعة من أرض مصر، حتى لو كانت صحراء جرداء لأجنبي، كيلا نستيقظ يومًا لنجد شعبنا غريبًا في بلاده، وأن أرضنا يملكها من ليس من أهلها، وتتحول مصر إلى فلسطين أخرى.

لقد جاء الصهاينة إلى فلسطين، حاملين معهم أموال الخراب، وتسللوا عبر ذمم الأقطاعيين من الشوام، ليشتروا الأراضي بإغراء المال الوفير، وخان الأقطاعيون ضمائرهم وأمتهم وباعوا أثمن ما تملكه، فليس أثمن من أرض الوطن، وهو ما لفت انتباه شاعر المقاومة إبراهيم طوقان، فأنشد في ثلاثينيات القرن الماضي، أي قبل أكثر من عقد على تأسيس الكيان اللقيط، محذرًا العرب والفلسطينيين من بيع الأراضي للصهاينة، والانخداع بظواهر الرخاء الاستهلاكي:

هيهات ذلكَ إنَّ في

بَيْعِ الثَّرى فَقْدَ الثَّراءِ

فيهِ الرحيلُ عن الرُّبو

عِ غدًا إلى وادي الفناءِ

فاليوم أمرحُ كاسيًا

وغداً سأُنبذ بالعراءِ

وأضعْتُ صادقة الرجاءَ

فأينَ كاذبةُ الرجاءِ

مَن ذا ألومُ سوى بني

وطني على هذا البلاءِ

ودرس التاريخ الفلسطيني القاسي، يدفعني للتحذير من بيع الأراضي المصرية لغير المصري، والمطالبة بتغيير قانون استثمار الأرض، ومنع بيعها بحيث لا يمكن لغير المستثمر المصري أخذ الأرض بعقد شراء، وإنما بحق انتفاع طال أجله أم قصر، وبمشاركة للدولة في أرباح المشروع، بعد عدة سنوات تحدد طبقًا لما صرفه المستثمر أو ما يتوقع أن يصرفه.

وما حدث من العبار في مراسي، يدفعني للتحذير من إسناد عملية إعادة إحياء منطقة وسط القاهرة التاريخية إلى شركته، عبر مشروعه الذي يستهدف تطوير مساحة تقدر بين 40 إلى 50 فدانًا في قلب العاصمة، لتصير مثل "داون تاون دبي"، بتحديث الشوارع وإضافة مطاعم وفنادق، ومناطق تجارية وعمرانية حديثة لزيادة الجذب السياحي، فالمشروع جميل في ظاهرة، لكننا لا نعلم ما قد ينجم عن تولى العبار مسئولية إدارته، وهل سيحول منطقة وسط القاهرة إلى كمبوند أو "مستوطنة سياحية" تخضع لأمره فقط مثلما حدث في مراسي، وتمنع المصري من دخولها؟

إن أي عقد لتطوير وسط القاهرة يجب أن تدرس بعناية آثاره القانونية والاجتماعية، كيلا يؤثر على الأمن المجتمعي، فهذا المشروع ليس في بقعة ساحلية منعزلة، لكنه يقام وسط كثافة شعبية تقدر بملايين من البشر، ربما يقيد حركتهم أو يشعرهم بأنهم يعاملون بما لا يليق بهم في وطنهم.

إن التدقيق القانوني في شروط مشروعات المستثمرين الأجانب واجب على الدولة، لأنه يؤكد سلطتها على أراضي مصر، ولا يتركها لكل من هب ودب ليصدر قرارات وفرمانات، تتعارض مع سيادة الدولة المصرية، وعلى حقوق مواطنيها، كيلا تتحول أراضينا إلى مستوطنات يديرها من يملك المال.