رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

السؤال الذى يفرض نفسه: لماذا لا ترحل تلك الوجوه المرفوضة غير مأسوف عليها؟ ولماذا تتكرر الأسماء نفسها فى كل موقع، حتى بعد أن تفقد ثقة الناس؟
الإجابة، ببساطة، تكمن فى ثقافة أصبحت تفرض نفسها على المشهد العام، وهى ثقافة تدوير الفاشلين.

فعندنا لا يرحل الفاشل، بل يُعاد تدويره، يسقط من منصب ثم يهبط على منصب آخر ، 
يفقد ثقة الناس فيُمنح مساحة أكبر،
يرفضه الجمهور فيُفرض عليهم من جديد، وكأن الرسالة واضحة: المهم أن يبقى فى المشهد، أما رأى الناس فلا يهم .

إن الحديث اليوم عن الإصلاح لا يقتصر على إصدار القوانين أو إطلاق المبادرات، بل يبدأ من احترام مبدأ العدالة فى الاختيار، وإفساح المجال أمام الكفاءات الحقيقية، فلا يعقل أن يبقى المشهد العام حكرًا على مجموعة محدودة من الأسماء، مهما أثبت الواقع أنها لم تعد قادرة على الإقناع أو العطاء،
لقد أصبحنا أمام ظاهرة تستحق التوقف امامها؛ وزير يفشل فيُكافأ بمنصب مستشار، وإعلامى يهجره جمهوره فينتقل إلى شاشة أخرى، ومسؤول يغادر موقعه ليعود عضوًا فى لجنة أو مجلس، وشخصية لفظها الرأى العام فتعود إلينا من باب آخر، وكأن المشكلة ليست فى فشلهم وإنما فى الناس الذين رفضوهم.

وفى المقابل، تبقى الكفاءات الحقيقية فى طابور الانتظار، تنتظر فرصة قد لا تأتى أبدًا، إن أخطر ما فى ثقافة تدوير الفاشلين أنها لا تظلم الكفاءات فقط، بل تهدد مستقبل الوطن كله، فعندما يرى أصحاب الكفاءة والاجتهاد أن الأبواب تُفتح لغير المستحقين، بينما تُغلق فى وجوههم، يفقدون الأمل، ويبدأ كثير منهم فى البحث عن مستقبل خارج وطنهم، فتخسر مصر عقولًا كان يمكن أن تصنع الفارق، وهنا تبدأ الكفاءات فى الانسحاب بصمت، بعضهم يهاجر خارج الوطن بحثًا عن فرصة عادلة، وبعضهم يعتزل الحياة العامة، وبعضهم يكتفى بالوقوف متفرجًا بعدما أيقن أن الطريق لم يعد مفتوحًا للأفضل، وإنما للأقرب.

وهكذا تخسر الدولة أهم ثرواتها، ليس بسبب نقص المواهب، وإنما بسبب غياب العدالة فى اكتشافها ومنحها الفرصة،
والأخطر أن هذه الثقافة لا تقتل طموح الأفراد فقط، بل تدمر إيمان المجتمع كله بقيمة الاجتهاد، فعندما يرى الشاب أن النجاح لا تصنعه الكفاءة، وإنما تصنعه العلاقات، وأن المناصب لا تذهب إلى الأفضل بل إلى أهل الثقة، فإنه يتوقف عن الحلم، ويتحول الاجتهاد فى نظره إلى رفاهية لا جدوى منها، وهنا تكون الخسارة أكبر من خسارة شخص أو وظيفة، لأنها تصبح خسارة وطن كامل.

وعندما يفقد المواطن حاضره، ويقتنع أن مستقبله قد سُرق منه، يتحول إلى قنبلة موقوتة داخل المجتمع، فليس هناك ما هو أخطر من إنسان يشعر أن كل أبواب الأمل أُغلقت فى وجهه، بينما يرى وجوهًا استنفدت كل رصيدها لدى الناس تصعد بسرعة الصاروخ، وهو يقف فى مكانه رغم علمه واجتهاده وكفاءته، عندها لا تكون المشكلة فى هذا المواطن، وإنما فى المنظومة التى أقنعته بأن الكفاءة لم تعد الطريق إلى النجاح.

لقد آن الأوان أن ندق جرس الإنذار، لأن استمرار هذه الثقافة لن يؤدى إلا إلى اتساع الفجوة بين المجتمع ومؤسساته، وإلى فقدان الثقة فى أن الكفاءة هى الطريق إلى النجاح.

فمعركة بناء الدولة لا تبدأ بالمبانى ولا بالمشروعات فقط، وإنما تبدأ باحترام الإنسان الكفء، ومحاسبة المقصر، ومكافأة المجتهد، وفتح الأبواب أمام جيل جديد قادر على العطاء.
استقيموا يرحمكم الله.