رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

ليس أخطر على المجتمع من أن يفقد الزواج معناه الحقيقي، فيتحول من ميثاق يقوم على المودة والرحمة والاختيار الحر، إلى صفقة تقاس قيمتها بالأموال والمصالح. فحين تجبر فتاة على الارتباط بشخص لا تريده، أو تستغل حاجتها وظروف أسرتها لتحقيق مكاسب مادية، فإن القضية لا تعود خلافا عائليا، بل تصبح انتهاكا صريحا لكرامة الإنسان وحقه الأصيل في تقرير مصيره.

وفي الوقت الذي تمضي فيه الدولة بخطوات متسارعة لتعزيز حماية الأسرة وترسيخ حقوق أفرادها، تتجدد بعض الوقائع المؤلمة التي تكشف أن معركة الوعي لا تقل أهمية عن معركة القانون، فما زالت هناك ممارسات تحاول استغلال السلطة الأسرية أو الضغوط الاجتماعية والاقتصادية لفرض زيجات لا تستند إلى الرضا، وكأن إرادة الفتاة مجرد تفصيل يمكن تجاوزه.
لقد حسم القانون المصري هذه المسألة بوضوح؛ فالزواج ليس إجراء اجتماعيا شكليا، ولا عقدا يمكن إبرامه تحت الإكراه أو الضغط، وإنما علاقة إنسانية وقانونية لا تقوم إلا على القبول الكامل من الطرفين، لذلك جاءت التشريعات لتجريم كل صور التحايل أو الإجبار أو استغلال الولاية الأسرية، ووضعت عقوبات رادعة لكل من يحاول الالتفاف على هذا المبدأ، خاصة عندما يتعلق الأمر بالقاصرين أو بتزوير المستندات لإتمام زيجات مخالفة للقانون.

الواقعة الأخيرة التي كشفتها الأجهزة الأمنية بمحافظة الغربية، بعد تداول مقطع فيديو لفتاة تتهم والدها بمحاولة إجبارها على الزواج مقابل مبالغ مالية، لم تكن مجرد خبر عابر على مواقع التواصل الاجتماعي، بل جرس إنذار يؤكد أن بعض الممارسات القديمة ما زالت تحاول أن تجد لها مكان داخل مجتمع يتغير، والتحريات التي أشارت إلى تعرض الفتاة للضرب لإجبارها على القبول، وإقرار والدها بالتفاوض مع وسطاء لإتمام الزواج مقابل المال، تعكس حجم الخطر عندما تتحول السلطة الأبوية من وسيلة للحماية إلى أداة للضغط.
ورغم قسوة هذه الوقائع، فإن سرعة تحرك الأجهزة الأمنية والتعامل مع البلاغات بجدية يعكس رسالة واضحة مفادها أن الدولة لم تعد تتسامح مع أي انتهاك يمس حرية الإنسان أو كرامته، وأن القانون يقف إلى جانب الضحية مهما كانت طبيعة العلاقة التي تربطها بمن ارتكب الانتهاك.
لكن الحقيقة التي ينبغي التوقف أمامها هي أن القوانين، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع وحدها اقتلاع جذور المشكلة. فهناك معركة أخرى لا تقل أهمية، تدور داخل البيوت والمدارس ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، عنوانها نشر ثقافة احترام الإرادة الحرة، وترسيخ قناعة بأن الزواج الناجح يبدأ بالموافقة الصادقة، لا بالإجبار أو الخوف أو الابتزاز.

ومن ثابت أن الأسرة التي تبنى على الإكراه لا تصنع استقرارا، والزواج الذي يبدأ بانكسار الإرادة لا يمكن أن يكون أساسا لحياة كريمة، ولهذا فإن حماية الفتيات من أي صورة من صور الاستغلال ليست دفاعا عن حق فردي فحسب، بل هي استثمار في استقرار المجتمع بأكمله.

تبقى الرسالة الأهم أن الزواج لا يقاس بما يدفع من أموال، بل بما يتوافر فيه من احترام وثقة واختيار حر، فحين تصان إرادة الفتاة، تصان الأسرة، وحين يطبق القانون بحزم ويواكبه وعي مجتمعي حقيقي، يصبح الزواج ميثاقا إنسانيا كما أراده الله والقانون، لا صفقة تبرم على حساب الحقوق والكرامة.