المحطة السادسة لرحلة العائلة المقدسة تجسد أثر القدم المباركة للسيد المسيح
سخا.. وتخليد الأرض أثر القدم المباركة للسيد المسيح
لم تكن رحلة العائلة المقدسة للسيدة العذراء والسيد المسيح عليهما السلام ويوسف النجار، عبر أرض مصر مجرد انتقال من مدينة إلى أخرى، بل كانت رحلةً يترك فيها كل موضع بصمته الخاصة، وكأن الأرض نفسها كانت تحفظ ذكرى العابرين عليها، وبعد أن غادرت العائلة مدينة سمنود، واصلت سيرها عبر ربوع دلتا النيل حتى بلغت سخا، المدينة العريقة التابعة لمحافظة كفر الشيخ، والتي ارتبط اسمها بواحدة من أشهر العلامات في مسار الرحلة: أثر قدم السيد المسيح.
كانت سخا، المعروفة قديمًا باسم "خاسوت"، مدينةً ذات مكانة مهمة في شمال الدلتا، تتوسط الأراضي الزراعية الخصبة التي يغذيها نهر النيل، وتحيط بها الحقول الممتدة في مشهد يعكس جمال الريف المصري منذ آلاف السنين. وبين هذه الطبيعة الهادئة وصلت العائلة المقدسة، مواصلة رحلتها الشاقة بحثًا عن الأمان، بعد أن قطعت مسافات طويلة تحت لهيب الشمس، متسلحة بالإيمان والثقة في عناية الله.
كانت السماء آنذاك تخفي سرًا كبيرًا، بينما كانت الأرض تستعد لإستقبال ضيوف لم يحملوا معهم جيشًا ولا سلطانًا، وإنما حملوا رسالة سلام ورحمة، خرجت السيدة مريم تحمل طفلها المبارك، ويصحبهما القديس يوسف النجار، هربًا من بطش الملك هيرودس الذي أصدر أوامره بقتل الأطفال خوفًا على ملكه. لم يكن الهروب بحثًا عن النجاة فحسب، بل كان تنفيذًا لمشيئة إلهية اختارت مصر لتكون الملاذ الآمن.
وتحفظ الروايات الكنسية، أن الطفل المبارك وطئت قدماه هذا المكان بــ "سخا "، فانطبعت إحدى قدميه على حجر، ليبقى هذا الأثر شاهدًا خالدًا على مرور العائلة المقدسة، ومنذ ذلك الحين عُرف الموضع باسم "بيخا إيسوس"، وهي عبارة قبطية تعني "قدم يسوع"، ثم تطور الاسم مع مرور الزمن حتى أصبح "سخا"، وظل يحمل في طياته ذكرى ذلك الحدث الذي منح المدينة مكانة روحية خاصة.
وأصبح أثر القدم للسيد المسيح “ عليه السلام ” أحد أبرز الرموز المرتبطة بمسار العائلة المقدسة في مصر، إذ يجسد في الوجدان المسيحي علامة على مرور السيد المسيح بهذا المكان، كما يرمز إلى البركة التي حلت بالأرض التي احتضنت خطواته. ولهذا ظل الموقع مقصدًا للزائرين والحجاج الذين يقصدونه للتعرف إلى إحدى أبرز محطات الرحلة المباركة.
ويضم المكان اليوم كنيسة تاريخية تعرف باسم كنيسة السيدة العذراء بسخا، حيث يُحفظ الحجر الذي يحمل أثر القدم داخل مزار مخصص للزائرين، إلى جانب عدد من المعالم الدينية والأثرية التي تروي قصة مرور العائلة المقدسة. كما شهدت المنطقة أعمال تطوير ضمن المشروع القومي لإحياء مسار العائلة المقدسة، بما يعكس اهتمام الدولة بالحفاظ على هذا الإرث التاريخي والروحي الفريد.
ولا تكمن قيمة سخا في الحجر وحده، وإنما في المعنى الذي يحمله؛ فالأقدام تمضي، لكن آثارها قد تبقى قرونًا إذا ارتبطت بقصة عظيمة. ولهذا أصبحت سخا رمزًا للرحلة التي لم تترك أثرها في النفوس فحسب، بل تركت أيضًا شواهد مادية ما زالت حاضرة حتى اليوم، تروي للأجيال حكاية أسرة عبرت هذه الأرض في زمن الخوف، فحوّلتها إلى طريق للسلام.
وعندما يقف الزائر أمام الحجر الذي يحمل أثر القدم، لا يرى مجرد نقش على صخرة قديمة، بل يشعر بأنه أمام صفحة من التاريخ ما زالت نابضة بالحياة. فالمكان لا يستمد قدسيته من عمره أو من بنائه، وإنما من الحدث الذي ارتبط به، ومن الذكرى التي بقيت تتوارثها الأجيال جيلاً بعد جيل.
وهكذا بقيت سخا واحدة من أكثر محطات رحلة العائلة المقدسة تميزًا، لأنها تحمل شاهدًا نادرًا ارتبط بمرور السيد المسيح عليه السلام، ولأنها تؤكد أن بعض الأماكن لا تخلدها المعارك أو الملوك، بل تخلدها خطوة مباركة تركت أثرًا على حجر، وأثرًا أعظم في ذاكرة الإنسانية، لتظل سخا محطة مضيئة في الطريق الذي بارك أرض مصر، وجعلها ملاذًا للأمان ورمزًا للتسامح والمحبة.


تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض
