لست أزعم أننى أكتب سيرة، فالسيرة تُكتب بعد أن يهدأ الزمن ويستقر الحكم على الرجال، وإنما أنا أكتب شهادتى بحسب أنى عشتُ الأحداث، لا نقلتها عن غيرى، وشهدتُ بعضها بنفسى، لا سمعتُ بها من راوٍ أو قرأتها فى صحيفة، واقتربتُ من دوائرها حتى رأيتُ ما لا تراه العين من بعيد، وجالستُ رجالها فى أزمنة الحسم، فعرفت كيف يُصنع القرار حين يكون مصير أمة معلقًا به.
وأظن أن من يقترب من رجل السلطة، سيخطر فى ذهنه سؤال قديم قِدَم الاجتماع الإنسانى نفسه: ما هذا الشيء الذى نسميه «السلطة»؟ أهى ما يُمنح للحاكم بمرسوم أو انتخاب أو غلبة؟ أم هى، فى جوهرها الأعمق ما يُنتزع- يومًا بعد يوم- من قناعة المحكوم، ومن إيمانه بأن من يقوده جديرٌ بهذه القيادة؟ فالمناصب تُمنح فى لحظة، أما السلطة الحقيقية- سلطة القلوب لا سلطة المراسيم- فلا تُبنى إلا بزمن طويل من الصدق بين الوعد والفعل، وقلّ من الحكام من فطن إلى هذا الفارق الدقيق بين أن يُطاع الرجل وبين أن يُصدَق.
فإذا كتبتُ فإنما أكتب عمّا عايشته لا عمّا سمعت به، وعمّا لمسته لا عمّا تخيلته، محاولًا أن أفهم موقع مصر فى لحظة من أشد لحظات تاريخها الحديث تعقيدًا، وموقع عبدالفتاح السيسى، الرجل الذى وجد نفسه فى قلب هذه اللحظة، لا يملك رفاهية التردد ولا ترف الانتظار.
وأول ما يستوقف من عايش هذا الرجل عن قرب، ليس مشروعًا بعينه ولا قرارًا بذاته، بل قدرته على الحسم من ناحية، وطريقته فى الحضور من ناحية أخرى، تلك الطريقة التى جعلتني- وأنا أقلّب فى ذاكرتى صورًا لزعامات مصرية سابقة- أُميّز بوضوح بين زعامتين لا ثالثة لهما فى تاريخ الزعامة الحديث: الأولى تصنع على المنابر، والثانية تُصنع فى غرف العمليات؛ زعامةٌ تُخاطب الجماهير فتهتف، وزعامةٌ تُخاطب الواقع فتُغيّره، وقد عرفت مصر- فى تاريخها الحديث- هذا النمط من الزعامة فى أوج بهائه مع جمال عبدالناصر، ذلك الزعيم الذى جمع بين الكلمة والفعل، فكان خطيبًا استثنائيًا لا يملك السامع إلا أن ينصت إليه، وكان فى الوقت نفسه صاحب مشروع ترك آثاره فى الدولة والمجتمع، من السد العالى إلى التصنيع إلى بناء فكرة الاستقلال الوطنى، غير أن لكل عصر أداته، ولكل زمن لغته؛ فما كان يصلح فى خمسينيات القرن الماضى ليس بالضرورة هو ما يصلح فى عالم تبدلت فيه أدوات التأثير وتغيرت أولويات الشعوب.
ولأن التاريخ- وهو مُعلّم لا يكرر دروسه بالطريقة ذاتها، بل يعيد صياغتها فى كل جيل بما يناسب ظروفه- جاء بنمط آخر من الزعامة مع عبدالفتاح السيسى، نمط أراه أكثر ملاءمة لزمن تبدّلت فيه موازين الفعل السياسى، وصار فيه البناء أبلغ من كل خطاب.
فقد آثر السيسى أن يبنى زعامته على الإنجاز الذى يراه المواطن بعينه، والطريق الذى يسلكه، والجسر الذى يعبره، والمدينة التى تنهض من الصحراء أمام ناظريه، وهذا- فى تقديري- جوهر نمط من الزعامة، أصعب بكثير مما يُظن، وأبقى أثرًا؛ فالخطيب يكسب التصفيق بجملة، أما صاحب المشروع فلا يكسب رضا الناس إلا حين يرون الإنجاز ماثلًا أمامهم، وهذا يستغرق سنين لا لحظة.
وهذا النمط ليس غريبًا على تجارب الأمم الأخرى، فقد عرفت الصين فى العقود الأخيرة من القرن الماضى نموذجًا يستحق أن يُستحضر هنا، وهو نموذج «دنغ شياو بينغ»، ذلك الزعيم الذى خلف «ماو تسى تونغ»، فآثر عمدًا أن يبتعد عن الخطابة الثورية التى ملأت الصين عقودًا طويلة، واختار بدلًا منها لغة أكثر جفافًا وأشد التصاقًا بالواقع، من خلال نظرية القط: «لا يهم لون القطة، طالما هى تصطاد الفئران». وبهذا المنطق العملى البسيط، أدار رجلٌ لا يُعرف عنه بريق الخطابة أعظم تحول اقتصادى شهدته أمة فى التاريخ الحديث، فحوّل الصين من اقتصاد منغلق منهك إلى قوة عالمية صاعدة، خلال عقدين من الإصلاح الهادئ المتراكم، لا الشعارات الثورية العابرة.
ولم يكن سرّ «دنغ شياو بينغ» فى بلاغة لسانه، بل فى صرامة تخطيطه، وفى قدرته على أن يُخضع كل قرار لحساب النتيجة البعيدة، لا لحساب التصفيق الآنى. وأزعم أن عبدالفتاح السيسى أقرب إلى هذا النموذج الصينى منه إلى نموذج الخطيب العربى التقليدي؛ فهو- كدنغ- رجل يرى فى المشروع المكتمل حجة أبلغ من أى كلمة، وفى الرقم المتحقق برهانًا أقوى من أى وعد، وفى الجدولة الزمنية الصارمة نظامًا لا يقل قوة عن أى شعار يُرفع.
وقد لاحظت- وأنا أتابع أسلوبه فى اللقاءات المطولة التى كان يعقدها مع الإعلاميين- أنه لا يهرب من التفصيل، بل يغرق فيه، يشرح الأرقام والمخططات والجداول الزمنية بصبر رجل يعرف أن الشعب المصرى، وإن أُعجب بالخطابة، ينتهى به الأمر إلى أن يسأل: وأين النتيجة؟ وهذا الأسلوب- أسلوب المهندس لا أسلوب الشاعر- هو ما صنع نوعًا من الثقة بين الحاكم والمحكوم يقوم على الدليل الملموس، لا على وعد معلّق فى الهواء.
وليس «دنغ شياو بينغ» وحده من يذكّرنا بأن أعمق التحولات لا تصنعها البلاغة، بل يصنعها العقل المنظّم الذى يُخضع كل خطوة لحساب دقيق، وهذا بالذات ما يقودنى إلى جانب آخر من شخصية عبدالفتاح السيسى، لا يقل أهمية عن ميله إلى لغة الإنجاز، وهو أصله العسكرى، ومنشؤه فى مؤسسة لا تعرف الكلام إلا مقدمة للفعل.
فالتكوين العسكري- حين يجتمع مع عقل استراتيجى واسع كالذى حظى به السيسى، بتعليمه فى أرقى الأكاديميات العسكرية العالمية- لا يُنتج ثكنة، بل يُنتج دولة تُدار بمنطق التخطيط بعيد المدى، لا بمنطق الارتجال الذى أرهق مصر فى عقود سابقة، فالمؤسسة العسكرية، فى جوهرها، ليست مدرسة للسلاح وحده، بل مدرسة للوقت والانضباط وتقدير المخاطر وحساب المستقبل.
فحين تأمل الرجل فى مشروعاته الكبرى- من العاصمة الإدارية إلى الطرق التى ربطت أطراف الوطن ببعضها إلى تفريعة قناة السويس وغيرها كثير- وجدنا فيها بصمة العقل العسكرى فى أرقى تجلياته متمثلًا فى التخطيط الدقيق، والجدولة الزمنية الصارمة، والإصرار على الإنجاز مهما بلغت العقبات، وهذا نمط من الإدارة افتقدته مصر طويلًا، بعد عقود من المشروعات التى تُعلن بحماس ثم تذبل فى أدراج البيروقراطية.
وهذا هو الفارق الجوهري- كما أراه- بين من يحكم بمنطق اللحظة ومن يحكم بمنطق التراكم، فالأول يبنى مجدًا يتلألأ ثم يخبو، والثانى يبنى أساسًا يبقى بعده، وكم من إمبراطوريات قامت على خطبة مؤثرة، فانطفأت بانطفاء صوت خطيبها، وكم من أثر متواضع فى الظاهر- قناة، أو طريق، أو سد- بقى شاهدًا على أمة بعد أن نُسى أسماء من تعاقبوا على حكمها.
وإذا كانت هذه الثقة الداخلية تُبنى بالإنجاز الملموس فى الداخل، فإن ثقة مماثلة كان لا بد أن تُبنى فى الخارج أيضًا، على أساس يتساند إلى حكمة إدارة العلاقات بين قوى متعددة لا يجمعها مصلحة واحدة. فالعالم الذى نعيش فيه اليوم ليس عالم الاستقطاب الحاد الذى عرفناه فى زمن الحرب الباردة، بل عالم متعدد الأقطاب، تتوزع فيه المصالح والقوى بين واشنطن وموسكو وبكين، ومن الحكمة أن تحافظ مصر على علاقاتها مع الجميع، فتكسب من كل طرف ما يخدم مصالحها العليا، دون أن تضع كل بيضها فى سلة واحدة.
وهذا التوازن الدقيق، الذى مارسه السيسى بمهارة نادرة، حفظ لمصر استقلالية قرارها فى زمن كثرت فيه محاولات استقطاب الدول الإقليمية إلى معسكر بعينه، وجعل منها لاعبا يُحسب له حساب فى أكثر من ملف إقليمى، من ليبيا إلى غزة، دون أن تنجرّ إلى معسكر واحد على حساب مصالحها.
وختاما، أقول: إن مصر- فى هذه المرحلة من تاريخها- وجدت فى عبدالفتاح السيسى زعامة صِيغت على مقاس عصرها لا على مقاس عصر مضى، فلكل زمن أدواته، وقد جاء هذا الرجل فى زمن صار فيه الإنجاز الملموس، والتخطيط الاستراتيجى بعيد المدى، والتوازن الدبلوماسى الدقيق، هى جوهر الزعامة الحقيقية، لا زينتها.
وأزعم أن التاريخ، حين يهدأ ضجيج اللحظة الراهنة، سيكتب أن هذا النمط من القيادة- قيادة البناء الصامت- كان الأصلح لمصر فى زمن تعقّدت فيه التحديات وتشابكت المصالح. فالتاريخ- فى نهاية الأمر- لا يسأل الأمم عمّن أجاد الخطابة فيها، بل يسأل: ماذا بقى بعد أن صمت كل الخطباء؟ وأحسب أن الإجابة عن هذا السؤال- سؤال الأثر الباقى لا الصوت العابر- هى التى ستحدد، بعد أعوام طويلة حين يهدأ كل ضجيج، أين يقف هذا الرجل فى ميزان التاريخ الذى لا يُجامل أحدًا، وإني- وقد عشتُ من عمرى ما يكفى لأرى كيف يعيد التاريخ كتابة أحكامه بعد أن تهدأ عواطف اللحظة- لأزعم أن هذا الميزان لن يجور عليه، بل سينصفه كما ينصف كل من قدّم الأثر على الصوت، والبناء على الوعد، فالتاريخ، وإن تأخر حكمه أحيانًا، لا ينسى فى النهاية من ثبتوا حين تهاوى غيرهم، ولا يظلم من بَنَوا حين اكتفى غيرهم بالكلام، وسيأتى يوم- وإن طال الزمن- يقف فيه التاريخ منصفًا لا مترددًا، شاهدًا لا متجاهلًا، ليقول: هذا رجلٌ آثر أن يُبقى أثرًا حين كان يملك أن يكتفى بصدى.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض