لم يقترضن مالًا.. لكنهن أصبحن مطلوبات بالسداد.
لم تسرق، ولم تنصب، ولم تقترض جنيهًا واحدًا، ولم تدخل مشروعًا تجاريًا، ولم تجمع أموال الناس، ولم تجلس يومًا أمام موظف بنك تطلب قرضًا أو تسهيلات ائتمانية، لكنها أصبحت مطلوبة بالسداد، ومهددة بالأحكام، وربما بالسجن أيضًا.
إنها مأساة لنوع آخر من الغارمات، فهؤلاء غارمات لم يصنعن الدين، ولم ينفقن المال، ولم يستفدن من القروض، لكنهن وجدن أنفسهن فى مواجهة القانون فقط لأنهن وثقن فى أزواجهن.
فكم من امرأة عاشت سنوات طويلة مع زوجها، تشاركه العمر والأحلام وتربية الأبناء، ثم جاء يوم طلب منها أن توقع على عقد كضامن، أو أن تكون كفيلًا له أمام بنك، أو أن تضمنه لدى أشخاص حصل منهم على أموال بحجة توظيفها فى التجارة أو الاستثمار.
فى البداية يبدو الأمر مجرد إجراء عادى بين زوج وزوجته، لكن الحقيقة تكون أكثر قسوة مما تبدو عليه، فالزوجة هنا لا توقع لأنها شريكة فى المشروع، ولا لأنها صاحبة القرار، ولا لأنها درست المخاطر والعواقب، وإنما لأنها تجد نفسها أحيانًا أمام ضغوط لا يراها أحد، إما أن توقع، أو يبدأ الحديث عن الطلاق،إما أن توقع، أو ينهار البيت، إما أن توقع، أو تدفع ثمن رفضها من استقرار أسرتها ومستقبل أبنائها.
فتضطر إلى التوقيع، لا حبًا فى الديون، ولا رغبة فى المخاطرة، وإنما خوفًا على سنوات عمر قضتها فى بناء بيت وأسرة وأبناء.
تمر الأيام وربما السنوات، فإذا نجح الزوج فى السداد استمرت الحياة وكأن شيئًا لم يكن، أما إذا تعثر، أو فشل المشروع، أو تراكمت الديون، أو هرب الشركاء، أو تبدلت الظروف، فإن الكارثة تقع فوق رأس المرأة قبل غيرها.
وقد تكون المأساة أكبر حين يرحل الزوج عن الدنيا، أو يختفى هاربًا من الديون، فتجد الزوجة نفسها وحدها فى مواجهة البنوك والدائنين وأحكام القضاء، بينما تتحمل فوق أكتافها مسؤولية الأبناء أيضًا، ففى لحظة واحدة تفقد شريك حياتها، وتجد نفسها مطالبة بسداد ديون لم تكن يومًا طرفًا فى اتخاذ قرارها، ولم تستفد منها، لكنها دفعت ثمن الثقة، وثمن الخوف على بيتها، وثمن توقيع ظنت أنه سيحمى أسرتها، فإذا به يتحول إلى أكبر تهديد لها.
وفجأة تكتشف أن التوقيع الذى وضعته حفاظًا على بيتها أصبح عبئًا يهدد هذا البيت كله، لتبدأ الإنذارات، ثم القضايا، ثم المطالبات بالسداد، ثم الأحكام القضائية، ولا تتوقف المأساة عند حدود ساحات المحاكم، بل تبدأ أحيانًا مرحلة أشد قسوة، حين تتحول حياة الأسرة إلى كابوس بسبب أساليب الملاحقة والتحصيل التى تمارسها بعض شركات التمويل أو القائمين على تحصيل الديون، اتصالات لا تنقطع، ورسائل تحمل التهديد والوعيد، وضغوط تمتد إلى أفراد الأسرة، بل وأحيانًا زيارات متكررة لمحل السكن أو العمل، فى مشهد يحول حياة الزوجة والأبناء إلى جحيم، رغم أنهم لم يكونوا يومًا طرفًا فى الاقتراض أو الاستفادة من تلك الأموال.
ولا أحد ينكر حق الدائن فى استرداد أمواله، فهذا حق يحميه القانون، لكن استرداد الحقوق يجب أن يكون بالقانون أيضًا، لا بوسائل ترهب الأسر، أو تنتهك خصوصيتها، أو تدفعها إلى الانهيار النفسى والاجتماعى، فالعدالة لا تقتصر على حماية حقوق الدائن، بل تمتد أيضًا إلى حماية كرامة الإنسان.
وفى النهاية تجد الزوجة نفسها مطالبة بدفع أموال لم تحصل منها على جنيه واحد، والمؤلم أن كثيرًا من هؤلاء النساء لا يعملن أصلًا، ولا يملكن مصدر دخل، ولا يعرفن شيئًا عن تفاصيل تلك المعاملات المالية، ومع ذلك يصبحن فى مواجهة الدائنين والبنوك والأحكام وكأنهن أصحاب القرار الأصليون.
وهنا يبرز السؤال الذى يجب أن نتوقف أمامه طويلًا: ما ذنب امرأة لم تقترض مالًا، ولم تستفد من قرض، ولم تحصل على أرباح، لكنها وجدت نفسها مطلوبة بالسداد لأن زوجها وضعها يومًا بين خيارين: إما أن توقع أو يهدم البيت ويطلقها؟
وهل كانت هذه المرأة ضامنًا بإرادتها الحرة الكاملة فعلًا؟ أم أنها كانت ضحية نوع آخر من الإكراه المعنوى الذى لا تلتفت إليه الأوراق والعقود؟
إن العدالة لا تكتمل فقط بحماية حقوق الدائنين، بل أيضًا بالنظر إلى الظروف التى دفعت بعض النساء إلى دخول دوائر الديون دون أن يكنَّ صاحبات القرار أو المستفيدات الحقيقيات منها، فليس كل من يطالبه القانون بالسداد هو من صنع الدين، وليس كل توقيع يعكس دائمًا إرادة حرة كاملة، وليس كل غارمة اقترضت المال بنفسها، إنها مأساة صامتة تعيشها نساء كثيرات خلف الأبواب المغلقة، لا يسمع قصصهن أحد إلا بعد أن تصبح الأزمة واقعًا، والأحكام حقيقة.
ويبقى السؤال المؤلم:كم امرأة وقعت يومًا حفاظًا على بيتها وأبنائها، ثم اكتشفت بعد سنوات أن الورقة التى وقعتها لإنقاذ البيت، كانت هى نفسها بداية ضياعه؟!
استقيموا يرحمكم الله.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض