فى ذكراه
ميشيل المصرى..حكايات لم تُروَ بعد
ما أعظم الفنان الذى لا تستطيع حصره فى زاوية أحادية، من أمثلة هؤلاء الفنان أو المؤلف الموسيقى ميشيل المصرى، كما كان يحب أن أصفه، إذ كان يقول لى التأليف الموسيقى جامع لكل ما أنجزه، وقبل أن ندخل فى تفاصيل وخطوط صاعدة من هنا وهناك نواتها ميشيل المصرى، أحب أن أذكر أنه كان- رحمه الله- يتمتع بصحة وعافية قل توافرها حتى عند أبناء العشرين، وكان يمتلك أعصاباً لا تتوافر إلا لقلة من الرياضيين، فقد كان يمارس الرياضة باعتدال وانتظام، بالإضافة إلى استعداده التكوينى والفطرى، وكان يحسن تغذية نفسه، ولعل الدافع الأساسى وراء اهتمامه بصحته وأعصابه راجع إلى رغبته فى أن يظل عازفاً ماهراً، ومن أجل هذا أنشأ ونمى بنيته، كى لا تشيخ أو تثقل أنامله على الكمان أو على البيانو، عزف مرة ميشيل المصرى أمامى على عودى، فلم أجد أملك منه لناصية العود، وكان يقوم بعمليات زحلقة للأصابع على المدرج الصوتى للعود، فكان يحكم موضع كل حرف، ويشعرك بسلطنة وحكمة فى العزف لا تكاد تتوافر فى عازف عود رغم أن ميشيل المصرى غير متخصص فى العود، بل متخصص فى عزف الكمان، صحبت الموسيقار ميشيل المصرى سنين، وكنت شاهداً على كلمات له، فقد قال لى مرة اشهد بما أقوله، فقلت له تفضل، قال: «أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله» فقد كان صدره وهو القبطى يتسع للإسلام، لكنه كان يكره جماعة الإخوان المسلمين، ويراهم وبالاً على الإسلام وعلى مصر، وحكى مرة لى أنه استدعى الموسيقار بليغ حمدى ليستمع إلى لحن وزعه لأحد المطربين الخليجيين دون المستوى، فانتظر حتى فرغ من الاستماع، وقال له بليغ هل تقدم هذا التوزيع الباهر من أجل هذا ولامه.

وقال مرة إنه حمل السيدة أم كلثوم رحمها الله إذ سقطت أثناء إحدى بروفاتها، فكان يصفها بأنها أمه، فقد تعثرت فى سلك الميكرفون، وكان يقول إنها هى التى كانت تجعل كل الآلات الموسيقية تضبط درجاتها الموسيقية على صوتها، وإذا كانت هى «الورزان» الذى يضبط كل عازف بالفرقة آلته الموسيقية على سلامة صوتها. وقد اختلفت معه ذات نقاش إذ قلت له حازماً إن عبدالوهاب حين يرتجل يرتفع باللحن، بينما أم كلثوم حين ترتجل تنخفض به، فقال لى معارضاً: لا تقل هذا إنما ارتجلت من أجل إسعادك، وقال لى عن عبدالوهاب إنه كان يؤلف لنا النكات لكى يضحكنا، وكثير منها تكون نكتاً جنسية، وقال لى رغم إنه كان يقاضينى القليل من المال مقابل توزيعى الموسيقى لأغنياته التى وزعتها، إلا أنه كان مدرسة فى التأليف الموسيقى ولم يقدم عملاً واحداً دون المستوى، وكان يتمتع بتأدية صوتية قاتلة من فرط جمالها، فقلت له لماذا لم تسجل له بصوته ما يغنيه، فقال خفت أن يظن أننى أتلاعب به، وكان يقول عن هذا الجيل إنه كان شديد الانضباط بالمواعيد حتى إنه كلما كان يحضر مبكرًا لبروفات أم كلثوم يجدها حاضرة قبله، وكانت تقول له مبسوط معنا يا ميشيل، فكان يقول لها نعم يا ست.

ومما قاله لى أيضاً إن فتاة جميلة كان يعرفها أرادات أن تتعرف على أم كلثوم وتقابلها مقابلة شخصية، فقلت لها، فقالت موافقة أحضرها معك، وحضرت ولكن الفتاة الجميلة لم تحضر فسألتها لماذا لم تحضرى مقابلة أم كلثوم التى طلبتها، فقالت خفت أن أرى منها ما ذكره، فتتغير صورتها ومحبتها داخلى، وقال لى ميشيل المصرى أيضاً: إنه يمتلك نوتاً موسيقية لتوزيعات أغنيات عبدالوهاب مثل «الكرنك» و«الجندول» و«النهر الخالد» وكان الموسيقار محمد الموجى يعتزم غناءها بنفسه، ويملك كذلك التسجيلات الصوتية الكاملة لقصائد السنباطى لفيروز وكان من المقرر أن تغنيها فنشبت الحرب فى لبنان، ثم تنكرت فيروز للقصائد، وكان يمتلك مشروعاً أيضاً مع السنباطى ليوزع بعض أعماله التى لحنها لأم كلثوم وبصوت السنباطى، ويمتلك ميشيل المصرى عود رياض السنباطى الذى عزف عليه فى قصيدة أشواق، وكان ميشيل قد أحضره للسنباطى ليعزف عليه، فعزف عليه وأعجبه وهو ضمن مقتنيات ميشيل المصرى الخاصة، وعلى صدر العود توقيع محمد رياض السنباطى وهو الاسم الحقيقى لرياض السنباطى، وقال لى إن الذى عرف الجماهير فى مصر وخاصة النخبة بالشاعر نزار قبانى هو الشاعر عبدالوهاب محمد الذى كان يحفظ قصائده قبل أن تطبع ويرددها بين الناس وبين النخبة والمثقفين، وقال أيضاً إنه يمتلك ثلاثين توزيعاً لأعمال بليغ حمدى التى لحنها وكانت ستصبح ضمن مسلسل عن بليغ، لكنه تعثر، ورغم أن مدينة الإنتاج الإعلامى وضعت جزءاً من مستحقات التوزيع الموسيقى لهذه الأغنيات الثلاثين، فقد كان المسلسل عنه ثلاثون حلقة، وكل حلقة ستتضمن لحناً غير الآخر من ألحانه المشهورة وبتوزيع موسيقى جديد من ميشيل المصرى، إلا أن المشروع توقف، وكان يتعجب من أن أجهزة الدولة وقتها، قامت بإنتاج مسلسل عن تحية كاريوكا، بينما أوقفت مسلسل بليغ بعد أن بدأ إنتاجه، ويمتلك «ميشيل» العديد من الأعمال الموسيقية منها مؤلف موسيقى بعنوان «توليب» كان قد ذكر لى قبل رحيله أنه أنجزه، وفى النهاية وقبل أن نذكر أنه يبقى أيام على الاحتفال بذكرى رحيل ميشيل المصرى نذكر أنه صاحب اللحن الدرامى الرائع لمسلسل «ليالى الحلمية» الذى يعد الرمز والأيقونة الأولى للأعمال الغنائية الدرامية التى غناها محمد الحلو ولميشيل المصرى ما يقرب من مائة عمل ما بين موسيقى تصويرية وألحان، إلا أننا نذكر أنه لا بد من الاهتمام بأعماله وإعادة تقديمها للجماهير إذ هو عن جدارة يستحق والجماهير عطشى.



تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض