الأستاذ الكبير حمدى رزق كتب تحت عنوان «لماذا الكتابة عن ثورة يونيو «فرض عين»؟! على كل مفكر وكاتب وطنى وصحفى غيور على وطنه»، وأنا أتفق معه وأؤيده تمام التأييد فيما ذهب، ليس هذا فقط؛ بل أرى أن الكتابة والتأريخ لثورة 30 يونيو هو واجب وطنى على كل مصرى ومصرية، وليس فقط أصحاب الفكر ومساحات الرأى. لأن التأريخ لأهم حدث فى التاريخ المصرى المعاصر إنما هو واجب وطنى ومسئولية تاريخية تجاه الوطن والأجيال القادمة؛ فالأمم التى لا تكتب تاريخها بنفسها، تتركه عرضة للتشويه والتزييف وإعادة الطرح والسرد وفق أهواء الخصوم وأجندات أصحاب المصالح.
لقد كانت ثورة 30 يونيو واحدة من أكبر الحركات الشعبية فى التاريخ الحديث، خرج فيها ملايين المصريين إلى الشوارع والميادين دفاعاً عن هويتهم الوطنية ومستقبل دولتهم، ورفضاً لمحاولات اختطاف الدولة المصرية وإعادة تشكيلها وفق مشروع لا يعبِّر عن الإرادة الوطنية الجامعة. وفى تلك اللحظة الفارقة، استجابت القوات المسلحة المصرية لإرادة الشعب، وانحازت إلى مطالب الجماهير، لتشكل مع الشعب المصرى نموذجاً فريداً فى حماية الدولة الوطنية والحفاظ على مؤسساتها من الانهيار.
ومن هنا تبرز أهمية التأريخ الوطنى الموضوعى والمحايد لهذه الثورة؛ فالتاريخ ليس مجرد وصف للأحداث، بل معركة وعى ممتدة عبر الزمن. وإذا لم يتم التوثيق المحايد لثورة 30 يونيو بمنهجية علمية ووطنية، فإن الساحة ستظل مفتوحة أمام السرديات الزائفة المشوهة التى تروجها طيور الظلام ودوائر الإعلام المعادى، وتسعى إلى إعادة كتابة التاريخ بصورة مغايرة للواقع. ولذلك مواجهة هذه الحملات لا تكون فقط بالرد الآنى، وإنما بإنتاج معرفة موثقة وتاريخ مكتوب يستند إلى الوقائع والشهادات والوثائق.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن نترك الأجيال القادمة رهينة هذه السرديات الكاذبة، فتتعرف على واحدة من أهم المحطات فى تاريخ الدولة المصرية المعاصرة من خلال روايات خصومها وأعدائها. والأمم الحية لا تكتفى بصناعة التاريخ، بل تحرص على حفظه وتوثيقه ونقله للأجيال الجديدة بصورة أمينة ومنصفة.
واليوم، وبعد مرور 13 عاماً على ثورة 30 يونيو، أصبحت أهمية ما جرى أكثر وضوحاً فى ضوء ما تشهده المنطقة من أزمات وصراعات وانهيارات للدول الوطنية. فالمشهد الإقليمى من حولنا يقدم يومياً أدلة حية وشاخصة على قيمة الدولة المستقرة ومؤسساتها الوطنية القادرة على حفظ الأمن والاستقرار وصيانة وحدة المجتمع.
ومن هذه الزاوية، لا يمكن فهم ثورة 30 يونيو بمعزل عن معركة الحفاظ على الدولة الوطنية المصرية. فقد مثلت الثورة لحظة استعادة للمسار الوطنى، وحاجزاً منع انزلاق مصر إلى مصير شهدته دول أخرى فى الإقليم. ولذلك قيمتها التاريخية لا تقاس فقط بما أنهت من أوضاع، وإنما بما حافظت عليه من دولة ومؤسسات وهوية وطنية ووحدة مجتمعية. ويكفى أن تراجع بيان المتحدث العسكرى عن جهود القوات المسلحة فى ضبط أسلحة ومواد مخدرة تقدر بـ40 مليار جنيه، ونحو 100 ألف شخص خلال محاولات تسلل للحدود لنعى أهمية ما قامت به ثورة 30 يونيو من الحفاظ على الدولة ومؤسساتها الوطنية.
ولهذا سيظل التأريخ لثورة 30 يونيو ضرورة وطنية مستمرة، ليس فقط لتكريم لحظة فارقة فى تاريخ مصر، بل لضمان أن تبقى الحقيقة حاضرة فى الذاكرة الوطنية، وأن تعرف الأجيال القادمة كيف انتصر الشعب المصرى لدولته، وكيف اجتمعت الإرادة الشعبية مع مؤسسات الدولة الوطنية لحماية مصر والحفاظ على بقائها واستقرارها فى واحدة من أكثر اللحظات خطورة فى تاريخها الحديث.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض