رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

سياسيون أمريكيون: تعرضنا للإذلال.. و«الغضب الملحمى» تحول إلى كارثة

بوابة الوفد الإلكترونية

بعد شهر واحد فقط من إطلاق عملية «الغضب الملحمى» التى قدمها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب باعتبارها خطوة حاسمة لإنهاء التهديد الإيرانى وإجبار طهران على تقديم تنازلات استراتيجية كبرى، وجدت الإدارة الأمريكية نفسها توقع اتفاقًا لإنهاء الحرب وسط موجة متصاعدة من الانتقادات داخل الولايات المتحدة وخارجها، حيث يرى عدد كبير من الخبراء والمسئولين السابقين أن نتائج الحرب جاءت معاكسة للأهداف التى أعلنتها واشنطن فى بدايتها. حتى وصف مراقبون أمريكيون الأمر أنه إذلال للولايات المتحدة. 

قال آرون ديفيد ميلر، المفاوض والمستشار السابق فى وزارة الخارجية الأمريكية، إن ما جرى يمثل نموذجًا واضحًا لسوء إدارة القوة الأمريكية، مؤكدًا أن «الحجة الأخلاقية والاستراتيجية تقول إن عملية الغضب الملحمى كانت كارثة ملحمية». وأضاف أن السؤال الأساسى يتمثل فى معرفة ما الذى حققته هذه الحرب فعليًا للمصالح الوطنية الأمريكية بعد كل التكاليف التى ترتبت عليها.

ويرى ميلر أن الأزمة كشفت عن مجموعة من المشكلات البنيوية فى إدارة ترامب، من بينها تراجع الاعتماد على الخبرة المهنية والمؤسسات الاستخباراتية وتسييس السياسة الخارجية، فضلًا عن الاعتقاد بأن القوة العسكرية الأمريكية قادرة على حل الأزمات المعقدة بمفردها. وبحسب تقديره فإن الحرب أضعفت قدرة الولايات المتحدة على الردع بدلًا من تعزيزها.

وأشار إلى أن النظام الإيرانى تمكن من الصمود أمام أكبر حشد للقوات الجوية والبحرية والصاروخية الأمريكية منذ حرب العراق، كما صمد أمام حملة عسكرية إسرائيلية قادتها أقوى قوة عسكرية فى الشرق الأوسط، وهو ما منح طهران دفعة سياسية ونفسية مهمة.

وتتجاوز الانتقادات حدود الدوائر الأكاديمية لتصل إلى مسئولين وخبراء مقربين من التيار المحافظ نفسه. فقد اعتبرت نيكى هايلى، السفيرة الأمريكية السابقة لدى الأمم المتحدة، أن الاتفاق يمثل «انتصارًا لإيران»، مطالبة بعدم تقديم أى تخفيف للعقوبات منذ اليوم الأول. كما حذر ستيف بانون من أن رفع العقوبات والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة سيمنح طهران مكاسب استراتيجية يصعب التراجع عنها لاحقًا.

أما السيناتور الجمهورى بيل كاسيدى فذهب إلى أبعد من ذلك عندما وصف الاتفاق بأنه أحد أسوأ أخطاء السياسة الخارجية الأمريكية منذ عقود، معتبرًا أن نتائجه تتناقض مع المبادئ التقليدية للسياسة الأمريكية تجاه إيران.

وفى السياق نفسه، شن ويل تشامبرلين، كبير المستشارين فى مشروع المادة الثالثة ونائب رئيس الشئون الخارجية فى مؤسسة إدموند بيرك، هجومًا حادًا على الاتفاق، واصفًا إياه بأنه «كارثى بكل المقاييس». وقال إن المذكرة تمنح إيران مكاسب مالية ضخمة وفورية، بينما لا تحصل الولايات المتحدة فى المقابل إلا على وعود فضفاضة تتعلق بالملاحة فى مضيق هرمز وبعض الالتزامات السياسية غير الواضحة.

كما انتقد مارك ليفين، أحد أبرز الأصوات المحافظة المؤيدة لترامب، الاتفاق الجديد رغم دعمه للضربات العسكرية ضد إيران، معتبرًا أن الإدارة الأمريكية تخلت عن أوراق ضغط مهمة قبل الحصول على تنازلات نووية حقيقية من الجانب الإيرانى.

وتعزز هذه المخاوف تصريحات دبلوماسيين أوروبيين شاركوا فى المشاورات الأخيرة، إذ أكد أحد الدبلوماسيين الغربيين أن الاتفاق قد يتحول إلى انتصار سياسى لإيران أكثر منه تسوية متوازنة، معربًا عن شكوكه فى أن تقدم طهران تنازلات جوهرية خلال فترة المفاوضات المقبلة.

وفى المقابل، يتزايد القلق داخل المؤسسات الأمنية الأمريكية نفسها، فقد تحدثت تقارير عن تشكيك وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الدفاع بيت هيجسيث ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف فى مدى التزام إيران ببنود الاتفاق وقدرتها على تنفيذ التعهدات الواردة فيه.

واعتبر مهران كامرافا، أستاذ سياسة الشرق الأوسط فى جامعة جورج تاون بقطر، أن الحرب وجهت ضربة قوية للثقة الإقليمية فى المظلة الأمنية الأمريكية. وأوضح أن دول الخليج خرجت بانطباع مفاده أن الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة لم يعد كافيًا لضمان الأمن والاستقرار، ما سيدفعها إلى توسيع شراكاتها الأمنية والاستراتيجية مع قوى دولية أخرى.

وأضاف أن الوجود العسكرى الأمريكى تحول خلال الحرب من عنصر ردع إلى هدف للهجمات، وهو ما ساهم فى إضعاف الصورة التقليدية للحماية الأمريكية فى المنطقة.

وفى تقييم أشمل للنتائج، ترى سانام وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا فى تشاتام هاوس، أن الحرب تعكس نمطًا متكررًا فى السياسة الأمريكية يقوم على استخدام القوة العسكرية لتحقيق أهداف سياسية مع تجاهل التداعيات الإنسانية والاجتماعية على الشعوب المتضررة.

وأكدت أن التجارب التاريخية تظهر مرارًا أن اللجوء إلى القوة لا يحقق دائمًا الأهداف المرجوة، مشيرة إلى أن الشعب الإيرانى دفع ثمنًا باهظًا نتيجة هذا الصراع.

وبينما يواصل ترامب الدفاع عن الاتفاق باعتباره إنجازًا تاريخيًا يتفوق على الاتفاق النووى الذى أبرمته إدارة باراك أوباما، يعتقد عدد متزايد من الخبراء أن الحرب انتهت دون تحقيق أهدافها الأساسية. فبدلًا من إضعاف إيران، خرجت طهران أكثر تماسكًا وثقة، بينما واجهت الولايات المتحدة انتقادات داخلية وخارجية وخسائر سياسية وعسكرية واقتصادية كبيرة.

ومع استمرار المفاوضات النووية المرتقبة، تبقى الأسئلة الجوهرية مطروحة حول ما إذا كانت الحرب قد غيرت بالفعل سلوك إيران، أم أنها منحتها فرصة جديدة لتعزيز نفوذها وموقعها التفاوضى فى المنطقة، فى وقت ما زالت فيه واشنطن تحاول إقناع حلفائها وناخبيها بأن التكاليف الباهظة للصراع كانت تستحق الدفع بحسب افتتاحية لوموند الفرنسية.