رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

الترويح عن النفس في الإسلام بين الإباحة والضوابط الشرعية

الترويح عن النفس
الترويح عن النفس في الشريعة

أباح الشرع الشريف للإنسان أن يُروّح عن نفسه في بعض الأحيان، بما يحقق له التوازن بين متطلبات الروح والجسد، دون إفراط أو تفريط. وقد جاء القرآن الكريم مؤكدًا هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: 77]، أي التمتع بما أباحه الله من الطيبات من مأكل ومشرب وملبس ومسكن ونحو ذلك، مع مراعاة حقوق الله والنفس والأهل والناس.

وقد أوضح الحافظ ابن كثير أن الآية تدعو إلى تحقيق التوازن في الحياة، بحيث يؤدي الإنسان كل الحقوق إلى أصحابها دون إفراط في جانب على حساب آخر، فيجمع بين عمارة الدنيا والعمل للآخرة.

السنة النبوية وترسيخ مفهوم التوازن الإنساني

جاءت السنة النبوية لتؤكد هذا المعنى وتُرسخ مفهوم الترويح المباح، كما في حديث حنظلة الأسيدي رضي الله عنه، حينما شعر بالتقصير لتغير حاله بين مجالس النبي صلى الله عليه وسلم وبين حياته الأسرية، فقال له النبي الكريم: «سَاعَةً وَسَاعَةً»، أي ساعة للعبادة والتقرب، وساعة لمتطلبات الحياة والمباحات.

وقد فهم الصحابة هذا التوجيه النبوي على أنه إقرار بطبيعة الإنسان التي تحتاج إلى فترات من الراحة المباحة، التي تعينه على مواصلة الطاعة والعمل، دون أن تتحول إلى غفلة أو انقطاع عن ذكر الله.

موقف العلماء من الترويح المباح

أكد العلماء أن الترويح عن النفس إذا كان في حدود المباح فإنه وسيلة لإعادة النشاط وتجديد الطاقة، وليس خروجًا عن مقاصد الشرع. فقد أشار الإمام الغزالي إلى أن اللهو المباح يُعد وسيلة لتخفيف أعباء الفكر عن القلب، وأن القلوب إذا أُرهقت ضعفت عن مواصلة العبادة، وأن الترويح بضوابطه قد يكون معينًا على الجِد والالتزام.

ضوابط الترويح في الشريعة الإسلامية

ورغم إباحة الإسلام للترويح عن النفس، إلا أنه وضع له ضوابط دقيقة تضمن عدم انحرافه عن مقصده الشرعي، ومن أهم هذه الضوابط:

أولًا: ألا يؤدي الترويح إلى تضييع الفرائض والواجبات، وفي مقدمتها الصلاة، فقد ذم الله تعالى من يشغلهم اللهو عن عبادتهم فقال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقدم الصلاة على كل شأن، حتى إذا حان وقتها ترك ما بيده من أعمال، مما يدل على أن العبادة تأتي في المقام الأول.

ثانيًا: ألا يؤدي الترويح إلى الإخلال بحقوق العباد، وخاصة حقوق الأسرة والأهل، إذ جعل الإسلام الإنسان مسؤولًا عن من يعولهم، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته».

كما حذر النبي صلى الله عليه وسلم من تضييع من يعول، معتبرًا ذلك سببًا في الإثم، مما يؤكد أن التوازن بين الترفيه والمسؤولية واجب شرعي لا يجوز الإخلال به.

التوازن الإسلامي بين الجِد والمباح

يُرسخ الإسلام مبدأ التوازن في حياة الإنسان، فلا إفراط في العبادة يؤدي إلى المشقة والانقطاع، ولا انغماس في اللهو يؤدي إلى الغفلة والضياع. بل هو منهج وسط يجعل الترويح وسيلة لإعانة النفس على الطاعة، وتجديد النشاط لمواصلة أداء الرسالة في الحياة.

وبذلك يظهر أن الترويح عن النفس في الإسلام ليس ترفًا منفصلًا عن القيم الدينية، بل هو جزء من منظومة متكاملة تهدف إلى بناء الإنسان المتوازن القادر على أداء حقوق الله ونفسه ومجتمعه في آن واحد.