إعادة رسم موازين القوى العالمية
الرابحون والخاسرون فى صراع الشرق الأوسط
قال الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إنه تم التوصل أخيراً إلى اتفاق لإنهاء الحرب مع إيران، بعد قرابة أربعة أشهر من القتال الذى شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على طهران، فى صراع وصف بأنه مزق الشرق الأوسط وأربك الاقتصاد العالمى واختبر حدود قوى دولية كبرى.
ورغم إعلان الاتفاق، ما زالت التساؤلات قائمة عن نتائج الحرب وتوازنات القوة التى أعادت تشكيل خريطة النفوذ الإقليمى والدولى، حيث يرى محللون أن الحرب لم تحقق الأهداف الرئيسية المعلنة، وأن النظام الإيرانى ما زال ممسكاً بزمام السلطة فى طهران بحسب تحليل نشرته صحيفة التليجراف البريطانية.
تعرضت إيران خلال الحرب لضربات جوية مكثفة من الولايات المتحدة وإسرائيل، اللتين تمكنتا من فرض هيمنة جوية شبه كاملة خلال العمليات العسكرية. وأسفرت هذه الضربات عن تدمير أجزاء من الأسطول البحرى التقليدى الإيرانى، ومقتل عدد من كبار القادة العسكريين، بينهم آية الله الخمينى، بينما تدهور الاقتصاد الإيرانى الذى كان يعانى بالفعل قبل 28 فبراير إلى مستويات أسوأ بكثير.
ورغم حجم الخسائر، لا يزال النظام الإيرانى قائماً، ويشير محللون إلى أنه أصبح أكثر تشدداً من السابق. كما لا تزال طهران تحتفظ بمخزون كبير من الصواريخ والطائرات دون طيار، رغم تعرض بنيتها الدفاعية لأضرار كبيرة نتيجة القصف.
وتشير التقديرات إلى أن جزءاً مهماً من منشآت تخصيب اليورانيوم فى إيران لحقه الدمار أو تضرر بشكل كبير خلال الحملة الجوية الإسرائيلية والأمريكية فى يونيو 2025، إلا أن كميات كبيرة من اليورانيوم عالى التخصيب يُعتقد أنها ما زالت محفوظة لدى الجانب الإيرانى.
ومن أبرز التطورات أن إيران حافظت على سيطرتها على مضيق هرمز، حيث تمت إعادة فتحه من خلال مفاوضات جرت بموافقة إيرانية، وليس نتيجة عمل عسكرى أمريكى مباشر، وهو ما اعتبره مراقبون دليلاً على استمرار نفوذ طهران فى واحد من أهم الممرات البحرية فى العالم.
كما يؤكد محللون أنه لا يوجد بديل سياسى أو عسكرى واضح للنظام الإيرانى فى الوقت الراهن، رغم الخسائر البشرية الكبيرة التى لحقت بالبلاد خلال الصراع.
كما لم تكن الولايات المتحدة بمنأى عن تداعيات الحرب، رغم أن تأثيرها الاقتصادى كان أقل حدة مقارنة بدول أخرى. فقد ارتفعت أسعار البنزين فى السوق الأمريكية بشكل ملحوظ، وواجهت الأسر الأمريكية زيادات قدرت بنحو 450 دولاراً لكل أسرة نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة.
ورغم التفوق العسكرى الأمريكى، إلا أن الحرب كشفت حدود القوة العسكرية، إذ لم تنجح الضربات الجوية فى إسقاط النظام الإيرانى أو تقويض سلطته. وقد استعدت طهران على مدى عقود لمثل هذا النوع من الحروب غير المتكافئة، عبر إخفاء الصواريخ وتطوير أسلحة منخفضة التكلفة مثل الطائرات المسيرة.
كما ألحقت إيران أضراراً بنحو عشرين موقعاً عسكرياً أمريكياً فى المنطقة، ما زاد من الضغوط السياسية على واشنطن، فى وقت تراجعت فيه الثقة بين الولايات المتحدة وحلفائها، بحسب تقارير دبلوماسية، مع اتهامات بأن إدارة ترامب دفعت المنطقة إلى أزمة واسعة دون تنسيق كاف مع الشركاء.
أشعل الرئيس الأمريكى دونالد ترامب حرباً واجهت رفضاً شعبياً متزايداً داخل الولايات المتحدة، بما فى ذلك داخل قاعدته السياسية «ماغا»، حيث أظهرت استطلاعات رأى أن نحو 60 بالمائة من الأمريكيين عارضوا الحرب، ما زاد الضغط على إدارته. ورغم سعيه إلى تحقيق نتائج حاسمة، فإن الاتفاق الذى أنهى الحرب لم يحقق معظم الأهداف المعلنة.
وكان البيت الأبيض قد حدد أهدافه فى إبريل، من بينها القضاء على مخزونات الصواريخ الإيرانية وقدرات إنتاجها، وتدمير الأسطول البحرى، وقطع دعم طهران للجماعات المسلحة، ومنعها من امتلاك سلاح نووى. ورغم تحقيق بعض التقدم، خاصة فى إضعاف البحرية الإيرانية، فإن إيران احتفظت بما يعرف بـ«أسطول البعوض» من الزوارق السريعة، كما تراجعت مخزونات الصواريخ إلى نحو النصف دون أن تتوقف بالكامل.
ولا تزال إيران تحتفظ بمواد نووية مخصبة، فيما تم تأجيل حسم الملف النووى، مع استمرار دعم طهران لشبكات حلفائها فى المنطقة، رغم تراجع قوتهم مقارنة بما قبل عام 2023. دخلت إسرائيل الحرب إلى جانب الولايات المتحدة، لكن نهاية الصراع جاءت وسط تباين سياسى بينها وبين واشنطن، بعدما بدا أن ترامب همش دور بنيامين نتنياهو فى المفاوضات النهائية. وكان نتنياهو قد اعتبر العمليات فرصة لإنهاء تهديد إيران، لكن استمرار النظام فى طهران أثار قلق المؤسسة الإسرائيلية، خاصة مع بقاء جزء كبير من القدرات الصاروخية ومخزون اليورانيوم، واستمرار سيطرة إيران على مضيق هرمز، ما جعل الأهداف الإسرائيلية غير مكتملة.
أما الصين، فرغم كون إيران حليفاً ومصدراً مهماً للطاقة، لم تتدخل مباشرة فى الصراع، مع اعتمادها على جزء كبير من نفطها عبر مضيق هرمز. وتمكنت بكين من التكيف نسبياً مع الأزمة عبر الاحتياطيات وزيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة، مع تقليص مشترياتها من النفط الإيرانى بطرق غير رسمية، بينما رأت فى الحرب فرصة لاستخلاص دروس حول حروب الاستنزاف الاقتصادية.
وفى روسيا، ارتفعت عائدات النفط بشكل مؤقت، لكن ذلك لم يغير الأزمة الاقتصادية العميقة، خصوصاً مع نقص العمالة وتراجع الإنتاج والهجمات الأوكرانية على البنية النفطية، ما حد من استفادة موسكو. كما اعتبر محللون أن الحرب أظهرت حدود الاعتماد على روسيا كحليف.
أما أوكرانيا، فبدلاً من أن تتضرر من تحويل الدعم الغربى، استفادت من الحرب عبر تعزيز خبرتها فى الطائرات المسيرة، وتوسيع تعاونها مع دول الخليج، وتوقيع اتفاقيات أمنية مع قطر والسعودية والإمارات، ما عزز موقعها الدبلوماسى والعسكرى.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض