حقيقة الابتلاء في الدنيا.. لماذا يتقلب الإنسان بين السراء والضراء
قال الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية السابق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، أن حقيقة الابتلاء في الدنيا ترتبط بطبيعة الحياة التي أرادها الله سبحانه وتعالى للإنسان، موضحًا أن الدنيا ليست دار راحة مطلقة ولا نعيم دائم، وإنما هي دار تكليف واختبار يتقلب فيها الإنسان بين المنح والمحن، وبين السراء والضراء، حتى يلقى ربه ويُحاسب على عمله.
وأوضح أن حقيقة الابتلاء في الدنيا بدأت منذ خلق الله تعالى لأبينا آدم عليه السلام، حيث عاش أولًا في دار التشريف والتكريم داخل الجنة، ونال منزلة عظيمة عندما أمر الله الملائكة بالسجود له تكريمًا وتشريفًا، وكان التكليف حينها محدودًا ومقتصرًا على عدم الاقتراب من شجرة بعينها.
واستشهد بقول الله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾، مبينًا أن الإنسان بعد ذلك انتقل إلى مرحلة أخرى هي مرحلة التكليف والابتلاء في الحياة الدنيا.
الإنسان مكرم رغم ما يواجهه من ابتلاءات
وأشار الدكتور علي جمعة إلى أن انتقال الإنسان إلى الأرض لم يسلبه مكانته التي كرمه الله بها، بل ظل مفضلًا على كثير من المخلوقات، وظل يحمل هذه الكرامة الإلهية التي تجعله مؤهلًا لتحمل الأمانة والتكليف.
وأضاف أن الله سبحانه وتعالى لم يجعل الحياة خالية من الصعوبات أو المشكلات، بل اقتضت حكمته أن تتنوع أحوال الإنسان بين الراحة والتعب، وبين الغنى والفقر، وبين الصحة والمرض، حتى يتحقق معنى الاختبار الذي خُلق الإنسان من أجله.
واستشهد بقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، مؤكدًا أن الغاية الأساسية من الحياة هي العمل الصالح والسعي إلى مرضاة الله.
الخير والشر كلاهما اختبار للعبد
وأوضح عضو هيئة كبار العلماء أن كثيرًا من الناس يظنون أن الابتلاء يقتصر على المصائب والأحزان، بينما تؤكد النصوص الشرعية أن النعم أيضًا نوع من أنواع الاختبار.
وقال إن حقيقة الابتلاء في الدنيا تكمن في أن الخير امتحان كما أن الشر امتحان، وأن السعة في الرزق تحتاج إلى شكر كما يحتاج الفقر إلى صبر، وأن الصحة تتطلب حسن الاستعمال كما يتطلب المرض حسن الاحتمال.
واستشهد بقوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾، موضحًا أن جميع الأحوال التي يمر بها الإنسان هي اختبارات إلهية تكشف صدق الإيمان وحسن التعامل مع أقدار الله تعالى.
حسن الختام.. غاية يسعى إليها المؤمن
وأشار الدكتور علي جمعة إلى أن إدراك طبيعة الدنيا يدفع الإنسان إلى التعلق بالله عز وجل وطلب الثبات حتى آخر لحظة من حياته، ولذلك كان الصالحون يكثرون من الدعاء بحسن الخاتمة.
وأوضح أن العبرة الحقيقية ليست بما يمر به الإنسان من نجاح أو فشل أو غنى أو فقر، وإنما بما يختم الله له من عمل، لأن الإنسان يظل محتاجًا إلى رحمة الله وتوفيقه طوال حياته.
وأضاف أن هذا الفهم لا يقود إلى اليأس أو الخوف المرضي، بل يدفع الإنسان إلى اليقظة الدائمة ومراجعة النفس والابتعاد عن المعاصي والمسارعة إلى الطاعات.
هل كل بلاء عقوبة من الله؟
وشدد مفتي الجمهورية السابق على خطأ الاعتقاد بأن كل مصيبة تقع للإنسان هي عقوبة إلهية، موضحًا أن البلاء قد يكون رفعة للدرجات أو تكفيرًا للذنوب أو وسيلة لإظهار صدق العبد وصبره وثباته.
وأكد أن الأنبياء عليهم السلام كانوا أكثر الناس تعرضًا للابتلاءات رغم علو منزلتهم عند الله، مما يدل على أن المصيبة ليست دليلًا على غضب الله من العبد.
واستشهد بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، موضحًا أن الخير والضر كلاهما بيد الله سبحانه وتعالى.
المؤمن يعيش بين الصبر والشكر
وأوضح الدكتور علي جمعة أن المؤمن الحق هو الذي يتعامل مع جميع ظروفه باعتبارها فرصة للتقرب إلى الله، فإذا نال نعمة شكر الله عليها، وإذا أصابته مصيبة صبر واحتسب الأجر عند الله.
واستشهد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له»، وهو الحديث الذي يوضح المنهج الإسلامي في التعامل مع تقلبات الحياة.
وأضاف أن حقيقة الابتلاء في الدنيا تجعل المؤمن قادرًا على تحويل مختلف المواقف إلى عبادة، فالشكر عبادة، والصبر عبادة، والتوبة عبادة، والرجوع إلى الله عند الشدائد عبادة، كما أن نسبة الفضل إلى الله عند النعم من أعظم صور العبودية.
فهم الدنيا طريق الطمأنينة
واختتم الدكتور علي جمعة حديثه بالتأكيد على أن حقيقة الابتلاء في الدنيا تساعد الإنسان على العيش في حالة من التوازن النفسي والإيماني، فلا يغتر بالنعمة إذا أقبلت عليه، ولا ينهار إذا أصابته مصيبة.
وأوضح أن المؤمن يدرك أن الدنيا مرحلة مؤقتة، وأن الأمر كله بيد الله سبحانه وتعالى، وأن العاقبة للمتقين، ولذلك يعيش مطمئن القلب، راضيًا بقضاء الله وقدره، ساعيًا إلى العمل الصالح، ومتعلقًا برحمة ربه في جميع أحواله.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض



