فاتحة خير
اقترب من أذنى الصديق أحمد سراج الصحفى النابه ورئيس صفحة النقابات بجريدة «الوفد» وهمس بصوت حزين: الأستاذ عماد أبوصالح محجوز فى المستشفى مصابًا بأزمة قلبية.. وكعادته قال له صديقنا الشاعر الكبير: لا تقل لأحد.. ولكن أحمد سراج لم يستطع تلبية رغبته.. والحمد لله تماثل الأستاذ عماد أبوصالح للشفاء وعاد إلى منزله بعد رحلة علاج قصيرة بالمستشفى.
وبهذه المناسبة أحكى قصتى مع الأستاذ عماد أبوصالح منذ أول يوم التحقت فيه بجريدة «الوفد» عام 92 للتدريب الصحفى.. كان الأديب والشاعر عماد أبوصالح يجلس على مكتب صغير جدًا ملحق بمكتب الأستاذ عباس الطرابيلى مدير التحرير المسئول عن الصفحات الثابتة فى الجريدة، بينما كان الأستاذ سعيد عبدالخالق مساعد رئيس التحرير مسئولًا عن الصفحات الإخبارية فى الجريدة.
ونتيجة عملى فى صفحة «عيادة الوفد» كان لقائى الأسبوعى مع الأستاذ عماد أبوصالح يراجع الموضوعات وأنا جالس بجواره أتابع كل عنوان جديد يختاره للموضوع أو كتابة مقدمة بنفسه.
مع مرور السنوات اقتربت من الأستاذ عماد أبوصالح، وبدأت الصداقة بيننا رغم صعوبة انفتاحه لصداقات جديدة، فهو دائمًا متحفظ فى علاقاته يتحدث قليلًا، صامت دائمًا خجول.
وتطورت العلاقة حتى أعطانى مهمة توصيل مجموعته الأدبية الأولى لبعض الزملاء الأدباء أمثال الأستاذ فارس خضر بمجلة الإذاعة والتليفزيون والأستاذ سعد القرش فى جريدة الأهرام وآخرين فى الصحف والمجلات.
كنت فى منتهى السعادة عندما يُوكل لى الأستاذ عماد هذه المهمة كلما نشر مجموعة جديدة.
أما قصة الإهداء الموقع منه على الكتاب فلها قصة طريفة، حيث جلس فى إحدى المرات وكتب إهداء لى وللصديق محمود على مدير تحرير «الوفد»، وطبعًا كل كلمة أثارت عاصفة لدينا من غرابة كلام الإهداء.
أعود إلى أول مجموعة للصديق عماد أبوصالح، «أمور منتهية أصلًا» عام 95، حيث كتب فى مقدمة الكتاب: «نحن أبناء الفلاحين.. يزرعوننا ثم يجهزون مناجلهم»، بعدها بعام واحد أصدر الشاعر عماد أبوصالح مجموعته الشعرية الثانية بعنوان: «كلب ينبح ليقتل الوقت».. وكتب تحت عنوان: «طيبة وسيمهلها يومين».. «حينما سيفاجئها عزرائيل.. وهى وحدها بالمنزل.. ستقدم له فطيرة وكوب شاى.. ثم تسحبهما بخجل بعد أن تتذكر أنهما دون سكر مطلقًا.. وتحكى كيف زوجت ثلاث بنات دون أن تقترض من الجيران طبقًا واحدًا.. أن زوجها ما كان يفتح بيتًا لو لم يبع خاتمها الكليو باترا.. وستشتم له أم طارق ثم تقف فجأة وتقول: «بعد إذنك يا عزرائيل.. سأرش القمح للدجاجات.. ياه.. كيف أستقبل وحدى هكذا رجالًا غرباء».
وأصدر الأستاذ مجموعته الثالثة «عجوز تؤلمه الضحكات» عام 97 وكتب فى مقدمته.. «حين نموت وتنهش الديدان لحم وجوهنا.. التى خربتها الحياة.. تبتسم جماجمنا ابتسامة كبيرة».
وفى عام 98 أصدر الأستاذ أبوصالح مجموعته الرابعة.. «أنا خائف».
ولكن توقفت أمام قصيدة «صرخة من إفريقيا» من مجموعة «مهندس العالم».. أفراد من «الهوتو» هجموا على مخيم للاجئى «التوتسى» وتسلوا بقتل ثمانية آلاف بالخناجر فى ليلة واحدة.. بتروا أثداء النساء وبنوا بها ثديًا ضخمًا.. راحوا يرقصون حوله.. والأطفال يرضعون منه.
الذين نجحوا فى الهرب كأنهم كانوا لا يريدون للنمور أن تنام دون عشاء...
«أين الله»؟
إن ما رأيته ميراث هائل من العار.. هكذا صرخ موظف إغاثة اسمه نيك كوينج فى عراء الصحراء ونقلت صرخاته شاشات التليفزيونات فى أوروبا.
فى النهاية أتمنى عودة الصديق عماد أبوصالح إلى بيته جريدة «الوفد» سريعًا وأدعوه للكتابة عبر نافذة أسبوعية.. فهل يستجيب ويمدنا بمقال أسبوعى نستمتع فيه بآرائه وأفكاره وأشعاره؟.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض