جزاء عقوق الآباء في الإسلام.. بعد واقعة البدرشين ورفض أب استلام نجله
عقوق الآباء للأبناء عاد إلى دائرة النقاش من جديد بعد تداول مقطع فيديو أثار حالة واسعة من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، أظهر رفض أب استلام نجله في منطقة البدرشين بمحافظة الجيزة، عقب وفاة جدته التي كانت تتولى رعايته لسنوات.
وكشفت وزارة الداخلية ملابسات الواقعة، موضحة أن الطفل كان يقيم مع جدته لأمه منذ انفصال والديه عام 2014، وبعد وفاة الجدة تولى خاله رعايته عدة أشهر قبل أن يتوجه إلى منزل والده لتسليمه إليه، إلا أن الأب رفض استلامه، فقام الخال بتصوير الواقعة وإثباتها بالفيديو، قبل اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة وعرض الأطراف على جهات التحقيق المختصة.
وأعادت الواقعة تساؤلات مهمة حول مفهوم عقوق الآباء للأبناء في الإسلام، وحدود مسؤولية الوالد تجاه أبنائه، والجزاء الشرعي المترتب على إهمالهم أو التخلي عنهم.
هل يوجد في الإسلام ما يسمى عقوق الآباء؟

رغم أن المصطلح الأشهر في الثقافة الإسلامية هو "عقوق الوالدين"، فإن علماء الشريعة يؤكدون أن للآباء أيضًا واجبات وحقوقًا تجاه أبنائهم، وأن التقصير فيها يعد إثمًا عظيمًا.
وتؤكد دار الإفتاء المصرية أن الأبناء أمانة في أعناق آبائهم وأمهاتهم، وأن رعايتهم والإنفاق عليهم وتربيتهم مسؤولية شرعية لا يجوز التفريط فيها أو التنصل منها.
وتشير الدار إلى أن عقوق الآباء للأبناء يتمثل في صور عديدة، منها الإهمال، وترك التربية، والحرمان من الرعاية، والتخلي عن النفقة، أو التسبب في الأذى النفسي والمعنوي للأبناء.
الأب مسؤول أمام الله عن أبنائه
ويؤكد علماء الأزهر الشريف أن الشريعة الإسلامية جعلت الأب راعيًا ومسؤولًا عن أسرته، استنادًا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته».
كما يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾، وهي آية تدل على وجوب رعاية الأبناء وحمايتهم وتربيتهم تربية صالحة.
كما أن عقوق الآباء للأبناء لا يقتصر على الحرمان المادي فقط، بل يشمل كذلك الإهمال العاطفي والتربوي، وترك الأبناء دون توجيه أو متابعة أو احتواء.
دار الإفتاء تحذر من تضييع حقوق الأبناء
وشددت دار الإفتاء المصرية في فتاواها على أن النفقة على الأبناء واجب شرعي ثابت، وأن الأب مسؤول عن توفير احتياجاتهم الأساسية ورعايتهم حتى يصبحوا قادرين على الاعتماد على أنفسهم.
واستدلت الدار بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيّع من يقوت»، مؤكدة أن تضييع الأبناء والتخلي عن مسؤولياتهم من الذنوب التي توجب الإثم والمحاسبة أمام الله تعالى.
وتوضح الدار أن عقوق الآباء للأبناء قد يترك آثارًا نفسية واجتماعية خطيرة تمتد مع الأبناء لسنوات طويلة، وتؤثر في شخصياتهم واستقرارهم النفسي والأسري.
هل تسقط مسؤولية الأب بعد الطلاق؟
ومن القضايا التي حسمها الفقه الإسلامي أن الطلاق أو الانفصال بين الزوجين لا يسقط حق الأبناء في الرعاية والنفقة والاهتمام.
فالأب يبقى مسؤولًا عن أولاده شرعًا مهما كانت طبيعة علاقته بأمهم، ولا يجوز أن تتحول الخلافات الزوجية إلى سبب لإهمال الأبناء أو التخلي عنهم.
ويؤكد العلماء أن عقوق الآباء للأبناء قد يظهر عندما يجعل أحد الوالدين أبناءه ضحية للخلافات الأسرية، فيحرمهم من الرعاية أو التواصل أو الدعم النفسي الذي يحتاجون إليه.
حقوق الأبناء قبل أن تكون حقوقًا للآباء
ويشير علماء الأزهر إلى أن الإسلام تحدث عن حقوق الأبناء منذ لحظة اختيار الزوجة الصالحة، مرورًا بحسن التسمية والتربية والتعليم والرعاية، وصولًا إلى توفير البيئة الآمنة التي تساعدهم على النمو السليم.
ولهذا فإن الأب الذي يؤدي واجباته تجاه أبنائه إنما يؤدي أمانة كلفه الله بها، بينما يتحمل المفرط في هذه الأمانة مسؤولية شرعية وأخلاقية كبيرة.
رحمة ومسؤولية لا تنتهي
وتؤكد النصوص الشرعية أن الأبوة ليست مجرد رابطة نسب، بل مسؤولية دائمة تقوم على الرحمة والاحتواء والرعاية.
ومع الجدل الذي أثارته واقعة البدرشين، تتجدد أهمية التذكير بأن عقوق الآباء للأبناء صورة مؤلمة من صور التفريط في الأمانة، وأن الإسلام ألزم الآباء بحقوق واضحة تجاه أبنائهم، وجعل القيام بها من أعظم الواجبات، كما جعل التهاون فيها سببًا للإثم والمساءلة أمام الله سبحانه وتعالى.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض

