لماذا نحتفل برأس السنة الهجرية في محرم؟
يتساءل كثير من المسلمين مع اقتراب بداية العام الهجري الجديد: إذا كانت الهجرة النبوية الشريفة قد وقعت في شهر ربيع الأول، فلماذا نحتفل برأس السنة الهجرية في شهر محرم؟ ويعد هذا السؤال من أكثر التساؤلات تداولًا كل عام، خاصة مع ارتباط التقويم الهجري بأعظم حدث في تاريخ الأمة الإسلامية، وهو هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة.
وتكشف المصادر التاريخية والفقهية أن اختيار الهجرة النبوية بداية للتقويم الإسلامي لم يكن بسبب تاريخ وقوعها فقط، بل لما تمثله من معانٍ عظيمة ودلالات حضارية ودينية أسهمت في بناء الدولة الإسلامية وترسيخ قيم الإيمان والتضحية والتعايش.
الهجرة النبوية.. نقطة تحول في تاريخ الإسلام
تمثل الهجرة النبوية حدثًا فارقًا في التاريخ الإسلامي، فقد ترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته الكرام أوطانهم وأموالهم وأهليهم طلبًا لرضا الله تعالى وحفاظًا على دينهم.
وقد مدح الله سبحانه وتعالى المهاجرين في كتابه العزيز فقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾.
كما كانت الهجرة النبوية البداية الحقيقية لتأسيس الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، ووضع القواعد المنظمة للعلاقات الاجتماعية والإنسانية، وإرساء مبادئ التعايش والتعددية.
متى بدأ التقويم الهجري؟
تشير المصادر التاريخية إلى أن العرب كانوا يؤرخون بالأحداث الكبرى، ومن أشهرها عام الفيل، وظل الأمر كذلك حتى خلافة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وفي عهد الفاروق اجتمع الصحابة الكرام للتشاور حول وضع تاريخ موحد للمسلمين، فطُرحت عدة مقترحات، منها التأريخ بمولد النبي صلى الله عليه وسلم أو بعثته أو وفاته، لكنهم اتفقوا في النهاية على أن تكون الهجرة النبوية بداية للتقويم الإسلامي؛ لأنها الحدث الذي ميّز بين مرحلتين مهمتين في تاريخ الدعوة الإسلامية.
لماذا اختير شهر المحرم بداية للسنة الهجرية؟
على الرغم من أن الهجرة النبوية وقعت فعليًا في شهر ربيع الأول، فإن الصحابة اختاروا شهر المحرم ليكون بداية السنة الهجرية.
ويرجع ذلك إلى أن العزم على الهجرة والاستعداد لها بدأ بعد بيعة العقبة التي وقعت في موسم الحج، وكان أول شهر يأتي بعد تلك البيعة هو شهر المحرم، فاعتُبر بداية فعلية للمرحلة التي انتهت بالهجرة إلى المدينة.
كما أن شهر المحرم يتمتع بمكانة خاصة في الإسلام، فهو أحد الأشهر الحرم التي عظّمها الله تعالى، ويأتي بعد انتهاء موسم الحج وعودة الناس إلى بلادهم، مما جعله أنسب الشهور لبداية العام الجديد.
وقد أوضح الحافظ ابن حجر العسقلاني أن أقوى الأقوال في سبب اختيار المحرم أن أول هلال ظهر بعد العزم على الهجرة كان هلال المحرم، فناسب أن يكون بداية للتقويم الإسلامي.
هل الاحتفال بالسنة الهجرية مرتبط بيوم الهجرة نفسه؟
يؤكد العلماء أن الاحتفاء برأس السنة الهجرية في شهر المحرم لا يعني أن الهجرة وقعت فيه، وإنما المقصود هو الاحتفاء بمعاني الهجرة النبوية ودروسها العظيمة وقيمها الخالدة.
فالاحتفال بهذه المناسبة يذكّر المسلمين بمعاني التضحية والصبر والثبات على المبادئ، ويحثهم على الانتقال من المعاصي إلى الطاعات، ومن التقصير إلى الاجتهاد، ومن الغفلة إلى القرب من الله تعالى.
الهجرة بمعناها المستمر في حياة المسلمين
لم تعد الهجرة بعد فتح مكة انتقالًا من بلد إلى بلد، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية».
كما بيّن صلى الله عليه وسلم المعنى الأوسع للهجرة فقال: «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه».
ومن هنا فإن ذكرى الهجرة النبوية تمثل دعوة متجددة لكل مسلم إلى هجرة الذنوب والمعاصي، والسير في طريق الإصلاح والتزكية والعمل الصالح.
دروس وعبر من بداية العام الهجري
تمثل بداية السنة الهجرية فرصة لمراجعة النفس وتجديد العهد مع الله سبحانه وتعالى، واستلهام الدروس من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام.
كما تذكر المسلمين بنعمة النصر والتمكين التي منحها الله تعالى لنبيه الكريم، حين حفظه من أذى المشركين وأعانه على إقامة دولته ونشر رسالته في أرجاء الأرض.
ويبقى الاحتفال ببداية العام الهجري مناسبة إيمانية عظيمة لاستحضار معاني الأمل والعمل والتغيير، واستلهام القيم التي جسدتها الهجرة النبوية في التضحية والثبات والإخلاص، وهي القيم التي لا تزال الأمة بحاجة إليها في كل زمان ومكان.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض

