الحرية في الإسلام.. هل الطاعة تقييد أم إصلاح للفوضى؟
الحرية في الإسلام من المفاهيم التي يكثر الحديث عنها في العصر الحديث، خاصة مع تعدد الرؤى والأفكار حول حدودها وضوابطها.
وفي هذا السياق، أوضح الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية السابق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، أن الحرية في الإسلام لا تعني الانفلات من الضوابط أو فعل الإنسان ما يشاء دون قيود، وإنما ترتبط بالمسؤولية والالتزام بطاعة الله ورسوله.
طاعة الله ورسوله أساس بناء الشخصية
استشهد الدكتور علي جمعة بقول الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، مؤكدًا أن هذه الآية الكريمة تؤسس لمعنى عظيم في حياة المسلم، وهو أن الحرية الحقيقية لا تنفصل عن الالتزام.
وأوضح أن الإنسان الذي يفعل ما يشاء بلا ضابط أو حدود لا يمكن وصفه بأنه حر، وإنما هو متفلت من المسؤولية، مشيرًا إلى أن الإسلام يربط بين الحرية والانضباط، ويجعل من الالتزام بالقيم والأخلاق جزءًا أصيلًا من مفهوم الحرية.
الحرية والمسؤولية وجهان لعملة واحدة
وأشار عضو هيئة كبار العلماء إلى أن الحرية في الإسلام ليست خروجًا من دائرة الواجبات، بل هي الوجه الآخر للمسؤولية، فالإنسان يكون أكثر قدرة على ممارسة حريته عندما يدرك حقوقه وواجباته وحدوده الشرعية والأخلاقية.
وأضاف أن الحرية التي لا تستند إلى منظومة قيمية واضحة قد تتحول إلى فوضى تهدد الفرد والمجتمع، ولذلك جاءت الشريعة الإسلامية لتضع الضوابط التي تحافظ على توازن الإنسان وتحمي المجتمع من الانحراف.
مفهوم الحرية بين الجمال وسوء الفهم
وأكد الدكتور علي جمعة أن كلمة الحرية من الكلمات المحببة إلى النفوس، وتحمل معاني إيجابية سامية، إلا أن المشكلة تكمن في سوء فهمها أو استخدامها بمعانٍ تخالف حقيقتها.
وأوضح أن من الضروري أن يكون مفهوم الحرية واضحًا ومنضبطًا، حتى لا تختلط الحرية بالتفلت، ولا تتحول الكلمة النبيلة إلى مبرر لترك القيم أو تجاوز الحدود الأخلاقية والدينية.
طاعة الله ورسوله تحمي الحرية
وبيّن أن قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ لا يمثل قيدًا على الإنسان أو إلغاءً لحريته، بل هو الإطار الذي يحمي هذه الحرية من الانحراف ويحولها إلى قوة إيجابية نافعة للفرد والمجتمع.
وأشار إلى أن الطاعة في الإسلام لا تعني الجمود أو تعطيل العقل، وإنما تمثل مرجعية أخلاقية وتشريعية تضمن توجيه الحرية نحو ما يحقق الخير والصلاح ويمنع الفساد والاضطراب.
الفرق بين الإبداع والبدعة
وتطرق الدكتور علي جمعة إلى قضية الفرق بين الإبداع والبدعة، موضحًا أن ما كان نافعًا للناس، ومساهمًا في عمارة الأرض، وتطوير الحضارة، وتحقيق المصالح العامة في إطار طاعة الله ورسوله، فهو إبداع محمود ومطلوب.
أما ما يؤدي إلى هدم القيم، وإفساد الأخلاق، وتفكيك الأسرة، ونشر الفوضى في المجتمع، فإنه يدخل في دائرة الانحراف، حتى لو تم تقديمه تحت شعارات الحرية أو التجديد أو الإبداع.
طاعة الله ورسوله ميزان للحياة
وأكد أن طاعة الله ورسوله تمثل ضابطًا للتشريع وميزانًا للفكر والحياة، فمن خلالها يستطيع الإنسان التمييز بين الحرية والتفلت، وبين البناء والهدم، وبين ما ينفع المجتمع وما يضره.
وأوضح أن القيم الدينية ليست عائقًا أمام التقدم أو التفكير، وإنما هي أساس يحفظ التوازن ويمنح الإنسان القدرة على توظيف حريته وإبداعه في الاتجاه الصحيح.
التحذير من الفوضى الفكرية
وأشار الدكتور علي جمعة إلى أن بعض الاتجاهات الفكرية تتصور أن الإبداع لا يتحقق إلا بالتخلص من جميع المرجعيات، سواء كانت دينية أو أسرية أو ثقافية أو مجتمعية.
وأكد أن هذا التصور لا يقود إلى الإبداع الحقيقي، بل يفتح الباب أمام النسبية المطلقة والفوضى الفكرية، ويؤدي إلى انهيار المعايير التي تضبط السلوك الإنساني وتحافظ على استقرار المجتمعات.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض