رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

نبض الكلمات

فى زمنٍ اختلطت فيه القيم بالمصالح، وتراجعت فيه المبادئ أمام سطوة المادة، بات العقل أحياناً عبئاً ثقيلاً على صاحبه. فكلما ازداد الإنسان وعياً بما يدور حوله من تناقضات وأزمات وضغوط، ازداد قلقه وحزنه وانشغاله بما يحمله الغد من مفاجآت، أما أولئك الذين لا يشغلون أنفسهم بحسابات السياسة، ولا يرهقون عقولهم بمتابعة الأزمات الاقتصادية، ولا يطاردون أخبار الحروب والصراعات، فيبدون وكأنهم يعيشون فى عالم أكثر هدوءاً وراحة، المجنون فى هذا الزمن لا يطارده شبح الأسعار، ولا تؤرقه فواتير الحياة، ولا يقف لساعات يفكر فى مستقبل أبنائه أو مصير وطنه، ينام مطمئن البال ويستيقظ خفيف الروح، بينما يحمل العقلاء فوق أكتافهم جبالاً من الهموم والضغوط، لقد أصبح الإنسان المعاصر أسيراً لشاشات لا تهدأ، وأخبار لا تنتهى، وأزمات تتوالد كل يوم، يركض خلف لقمة العيش، ويطارد أحلاماً تتبخر قبل أن يصل إليها، ويعيش فى سباق مرهق لا يعرف خط النهاية، وبينما يغرق العقلاء فى بحر من القلق والتوتر، يبدو المجنون كأنه نجا من هذا الطوفان الكبير، لكن الحقيقة المؤلمة أن المشكلة ليست فى العقل، بل فى واقع جعل التفكير معاناة، والوعى عبئاً، والإدراك مصدراً دائماً للألم، وحين يصل المجتمع إلى مرحلة يتمنى فيها البعض لو كانوا أقل إدراكاً لما يجرى حولهم، فهذه ليست شهادة على نعيم المجانين، بل إدانة لزمن أصبح فيه الاضطراب هو القاعدة والطمأنينة هى الاستثناء، وإن أخطر ما فى الأمر أن يتحول الهروب من الواقع إلى حلم، وأن يصبح فقدان الإحساس بالأزمات أمنية عند البعض. فالأمم لا تتقدم بالمجانين، بل بالعقول الواعية القادرة على المواجهة والإصلاح. غير أن هذه العقول تحتاج إلى بيئة تمنحها الأمل لا اليأس، وتفتح أمامها أبواب المستقبل بدلاً من أن تغرقها فى مستنقعات الإحباط.. ففى عالم يضج بالهموم، ويسير فيه العاقل فوق حبال منطقٍ ممدودة على نار الحياة، يبدو المجنون فى قمة النعيم. كيف لا، وهو من تحرّر من قيود العقل، وتخلّى عن منطق لا يجلب سوى الألم؟!.. العاقل يتألم من تفاصيل الحياة، من تناقضات البشر، من فوضى الواقع، ومن ثقل المعرفة، يعرف أن العالم ليس بخير، يرى الظلم، ويشعر بالعجز. أما المجنون، فلا يهمه ما يحدث فى نشرات الأخبار، ولا تعنيه مؤشرات الاقتصاد، ولا تصيبه نوبات القلق الوجودى، المفارقة أن المجنون قد يكون خاسرًا فى نظر المجتمع، لكنه الرابح فى معركة النفس، فهل نحن من نحتاج إلى الجنون، أم أن العقل هو الذى أفسد علينا متعة الحياة؟!..أحيانًا، حين ينهكك التفكير، وتشعر بأن وعيك عبء لا ميزة، ستفهم المعنى العميق وراء الجملة «المجانين فى نعيم»..فأصعب المعارك ضد من يؤمن بأنه ذكى على الرغم من غبائه، لأنك لا تستطيع توقع الخطوة المقبلة من الحمار، كلمات شهيرة من اختراع عظماء الفلاسفة، اعتراضى على شخص الحمار المسكين، فما ذنبه بـ«معاتيه البشر» فهو بريء من أفعالهم ودنو اخلاقهم وسفاهة تفكيرهم، فغالبا ليس العقل السليم فى الجسم السليم، إذا كان القلب مصابًا بالعطب والأمراض، فحينها يكون فاقد العقل سليما كثيراً، ‏سليم القلب يؤتمن حتى فى عداوته، ومرضى القلوب لا يؤتمنون حتى فى صداقتهم، فأهلا بالمجانين أنقياء القلب وأصحاء السريرة... «المجانين فى نعيم» مثل مشهور نتأكد يوماً بعد يوم من صحة هذه المقولة، نحن نعيش فى دوامات كثيرة فى السنين الأخيرة، ومن لديه عقل ويفكر للمصلحة العامة فهو سوف يكـــون تعسا، شاردا، غاضبا، الهموم تحيط به فى كل لحظة وكل مكان، غالباً مكتئب ويذهب بخياله لبعيد بعيد إلى حد يطوف به عنان السماء وأمامه طريقان لا ثالث لهما، الأول أن يعقل ويسير مع القطيع، والطريق الثانى أن يخبِط رأسه فى الحِيط ويحارب طواحين الهواء.. «المجانين فى نعيم»، ويبدو أن الذين أطلقوا هذا المثل هم العقلاء، الذين كانوا ولا يزالون يئنون تحت وطأة مشكلات الحياة وأزماتها التى لا تنتهى..هؤلاء وحدهم هم الذين يدركون كم هو أليم وموجع ومحزن هذا الواقع الذى يعيشونه، هم وحدهم الذين يشعرون بالمآسى والكوارث التى تقع أمامهم وحولهم، على كل المستويات، والحقيقة انى اعذر هؤلاء المجانين وايضا العباقرة الذين قد يصلون بعقولهم إلى حد الجنون فبينهم «شعرة» كحد فاصل بين العبقرى والمعتوه والتاريخ مليء بنماذج عظيمة غيرت مسار البشرية باختراعاتها التى قدمت حلولا كانت بمثابة عقد، وهناك نوعان من الجنون فى رأى الفلاسفة والحكماء مما يطلق عليه جنونا، الجنون الذى يكون صاحبه فاقدا لعقله ويفعل أشياء لن يفكر عاقل فى فعلها، وجنون الإبداع هو تلك الأفكار التى لم تخطر على قلب بشر وتبدو فى ظاهرها ضربا من الجنون لكنها تظهر فى النهاية قمة الإبداع، ومن خلال التطلع إلى السيَر الذاتية لحياة المبدعين والعباقرة، يمكن أن نكتشف أن الكثير منهم انتهت حياتهم على أثر الاضطرابات النفسية كانت محيطه بهم، وحالات الاكتئاب الشديدة كانت وراء سر ابداعهم، كالموسيقار الكبير بتهوفن الذى أنهى حياته بـأخذ كمية من الحبوب المهدئة، وقد قام بذلك بعد أن جاوز 56 عاما من العمر، والكاتب «ارنست همنجواى» الذى أدمن على تعاطى الكحول بصورة شرهة وغير طبيعية ما أدى إلى إصابته بأمراض خطيرة، ومن ثم موته منتحرا فى الـ 60 من العمر بإطلاقه رصاصتين على رأسه...والعبقرى «فريدريك نيتشه» صاحب الكتب والأفكار المثيرة للجدل، حيث عانى الاضطرابات النفسية الشديدة التى أصابته فى نهايات عمره بالجنون الكامل، وثمة كتّاب عرب أيضا، من أمثال نجيب محفوظ وصلاح عبدالصبور اللذين عانا بدورهما حالات الاكتئاب والاضطرابات النفسية الشديدة... الحقيقة أن كتب الأدب والتاريخ مليئة بمناذج مشرفة من العباقرة الذين لديهم قدرات استثنائية الذين وصلوا إلى حد الجنون فى الفكر والإبداع، كلمة شهيرة للعبقرى «نزار قبانى» أنا مجنون فى منطق المدينة التى لم يهذبها الجنون، لم يعطرها الجنون، والفيلسوف «الألمانى فردريك نيتشه» الذى ازدادت حدة جنونه مع تفاقم تطرف «أفكاره، وهناك جنون الرسام الهولندى المشهور «فان جوخ» الذى دخل مصحة عقلية، فهل صحيح أن المبدعين مجانين؟! الأصح أن نقول إنهم كانوا سيصبحون مجانين، لولا أنهم أصبحوا مبدعين، إن سيرة وحياة الشاعر قيس بن الملوح الملقب بمجنون ليلى تشير إلى أن هناك خيطاً رفيعاً بين الإبداع «الشعرى» والجنون. ولقد أورث الحب جنوناً إلى ذلك الشاعر فجعله يبدع أشعاراً رائعة تستحق التأمل. وربما تفتح سيرته الشعرية والحياتية المجال أمام الباحثين لدراسات لمعرفة إمكانية ارتباط الإبداع بالجنون بسبب رحلة البحث عن السعادة التى تكمن بالأصل فيالقرب من الله والرضا بقدره، فالإبداع والجنون معايير الفرق شعرة، تماما كمعايير نراها يوميا بين ألوان البشر فقد يعتلى ظهر الجياد ذباب، ويقود أسراب الصقور غراب والمنافق موثوق منه من علية القوم، واخيرا إذا ملأت عقلك بصغائر الأمور، فلن يبقى فيه مكان لكبارها فالعقل كالحقل تماما، إن لم تتعهده بالنباتات الجيدة، نمت فيه الحشائش الضارة، وفى النهاية، قد يبدو المجانين فى قمة النعيم، لكن النعيم الحقيقى ليس فى الغياب عن الواقع، بل فى واقعٍ يستحق أن نعيشه دون خوف أو قلق أو انكسار.

رئيس لجنة المرأة بالقليوبية وسكرتير عام اتحاد المرأة الوفدية 
magda_sale7@yahoo. com