الحبس والغرامة عقوبات مقترحة للزواج الثانى:
البعض لن يذهب للمأذون مرتين!!
تعدد الزوجات حق شرعى يتسبب فى أزمات أسرية بسبب «السرية»
إخفاء الزواج الأول جريمة بنص قانون الأسرة الجديد
خبراء: انتشار الزواج العرفى والتحايل على القانون أهم النتائج فى حالة إقرار النص
حالة من الجدل أثارتها التعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية الذى أطلق عليه «قانون الأسرة»، إذ تضمنت تلك التعديلات مقترحاً بعقاب الزوج حال زواجه مرة ثانية دون إبلاغ الزوجة الأولى، على أن تصل تلك العقوبة للحبس والغرامة، أو بإحدى العقوبتين، فى حالات إخفاء الحالة الاجتماعية أو تقديم بيانات غير صحيحة أثناء توثيق عقد الزواج.
وانقسمت الآراء بين مؤيدين اعتبروها خطوة لحماية حقوق الزوجة ومنع التحايل والزواج السرى، وبين معارضين رأوا أنها تمثل تقييداً غير مباشر لحق شرعى أباحه الإسلام ، وقد تدفع البعض إلى اللجوء للزواج العرفى أو التحايل القانونى.
وبين الاثنين يظل الجدل قائماً حول حدود تنظيم التعدد قانونياً، ومدى تأثير هذه العقوبات على استقرار الأسرة المصرية.
خاصة أن الزواج الثانى كان دائماً ما يمثل جوهر معظم الخلافات بين الزوجين، فعادة ما تثور المرأة بمجرد معرفتها زواج زوجها من امرأة أخرى، وتكون النتيجة أما خلافات ومشاجرات دائمة، أو طلب الطلاق.
ورغم أن الشرع أباح تعدد الزوجات، إلا أن الفكر الأنثوى يرفض وجود شريكة أخرى فى الزوج، وهو ما كان سبباً فى فشل كل مبادرات تعدد الزواج فى مصر، ومن ثم جاء هذا المقترح فى القانون الجديد ليكون بمثابة حجر ألقى فى الماء الراكد ليحركه.
مشكلة الزواج السرى
ومن جانبها قالت الدكتورة ريهام عبدالرحمن إخصائية الإرشاد النفسى والأسرى والتربوى إن المشكلة الأساسية ليست فى التعدد نفسه وإنما فى إخفاء الزواج عن الزوجة الأولى مؤكدة أن العلاقة الزوجية يجب أن تقوم على الثقة والوضوح والمصارحة وأن الزواج دون علم الزوجة يتسبب فى كثير من المشاكل الأسرية والنفسية، منها فقدان الثقة وزيادة الخلافات والتوتر داخل الأسرة، وهو ما ينعكس بالسلب على الأبناء وحالتهم النفسية والدراسية.

وأوضحت أنها تؤيد وجود عقوبات اجتماعية تحمى المرأة، مثل منح الزوجة حق الانفصال أو الحفاظ على حقوقها الأسرية، لكنها ترفض عقوبة حبس الزوج لأن ذلك قد يضر الأسرة والأبناء مادياً ونفسياً، خاصة مع غياب الأب المسئول عن الإنفاق.
وأكدت أن بعض حالات الزواج الثانى قد تكون لها أسباب وظروف خاصة، لكن ذلك لا يبرر الإخفاء مشيرة إلى أن التعدد مشروع لكن بضوابط، أهمها العدل والوضوح وإخطار الزوجة.
وشددت على أن اكتشاف الزوجة للزواج بالصدفة يسبب لها صدمة نفسية كبيرة وشعوراً بالخداع والخيانة، ما قد يؤدى إلى انهيار العلاقة الزوجية واتخاذ قرارات متسرعة مثل الانفصال.
وأشارت إلى أن الخلافات الناتجة عن الزواج السرى تؤثر بشكل مباشر على الأطفال، وقد تؤدى إلى التوتر وضعف التحصيل الدراسى وفقدان الشعور بالأمان داخل الأسرة.
واختتمت حديثها بالتأكيد على أن العقوبات وحدها لا تكفى للقضاء على الظاهرة، وإنما لا بد من نشر الوعى بحقوق وواجبات الزوجين، والتأكيد على أهمية الشفافية والاحترام داخل الحياة الزوجية.
غير مجرم قانوناً
ورغم أن الزواج الثانى غير مجرم قانوناً إلا أنه يعد واحداً من أكبر أسباب المشاكل الزوجية وفى هذا السياق أكدت الدكتورة إلهام المهدى الخبيرة القانونية أن القانون المصرى لا يجرم التعدد فى حد ذاته طالما تم وفق الشريعة الإسلامية والإجراءات الرسمية، موضحة أن الإشكالية القانونية ترتبط بإخفاء الزواج الثانى أو تقديم بيانات غير صحيحة أثناء توثيق عقد الزواج.
وقالت إن قانون الأحوال الشخصية يلزم المأذون بإخطار الزوجة الأولى حال إتمام زواج جديد، مشيرة إلى أن تعمد الزوج أو الشهود أو المأذون إثبات بيانات غير صحيحة قد يفتح الباب أمام مسئوليات قانونية تتعلق بالتزوير أو مخالفة إجراءات التوثيق الرسمية.
وأوضحت الخبيرة القانونية أن المقترحات المتداولة حالياً داخل مناقشات قانون الأسرة لا تستهدف منع التعدد نفسه، وإنما تركز على معاقبة حالات الإخفاء أو التحايل، خاصة فيما يتعلق بعدم الإفصاح عن الحالة الاجتماعية الحقيقية للزوج أو الإدلاء ببيانات غير دقيقة عند تحرير عقد الزواج، وأن جوهر العقوبة المقترحة يتعلق بالغش أو الإخفاء وليس بمبدأ التعدد الذى أقرته الشريعة الإسلامية.
وأشارت إلى وجود حالة من الجدل القانونى والدستورى حول هذه المقترحات، موضحة أن فريقاً من القانونيين يرى أن من حق الدولة تنظيم إجراءات التعدد بما يحقق المصلحة العامة ويحفظ حقوق الأسرة، طالما يقتصر على التنظيم ولا يصل إلى التحريم أو المنع، وأضافت أن بعض الآراء الفقهية خاصة لدى الحنابلة تجيز للزوجة اشتراط عدم الزواج عليها ضمن عقد الزواج، وفى حال مخالفة هذا الشرط يكون لها الحق فى طلب الفسخ أو التطليق للضرر، وأن القانون الحديث اتجه إلى التوسع فى هذا المفهوم من خلال فكرة الملحق أو الإقرار المسبق بعقد الزواج، بحيث يكون للزوجة الحق فى وضع بعض الشروط المتعلقة بالإخطار أو العلم بالزواج الثانى، باعتبار أن مخالفة ذلك قد تمثل ضرراً يهدد استقرار الأسرة ويؤدى إلى النزاع والشقاق.
وفى المقابل، أوضحت المهدى أن هناك من يرى أن التوسع فى العقوبات قد يؤدى عملياً إلى تقييد حق شرعى بصورة غير مباشرة، رغم أن الهدف المعلن من هذه المقترحات هو التقنين والتنظيم وليس المنع الكامل.
وأكدت أن الدولة من حقها تنظيم إجراءات الزواج والتوثيق والإخطار حفاظاً على الحقوق الأسرية، مثل إلزام التوثيق الرسمى وإثبات الحالة الاجتماعية والإخطار الإجبارى، مشددة على أن التنظيم القانونى يختلف عن التحريم أو المنع.
ولفتت إلى أن بعض القانونيين يتوقعون أن يؤدى التشدد فى هذه الإجراءات إلى زيادة حالات الزواج العرفى أو التحايل القانونى، بينما يرى آخرون أن هذه الضوابط قد تسهم فى حماية حقوق الزوجات والأبناء وتقليل النزاعات الناتجة عن الزواج السرى أو إخفاء الحالة الاجتماعية.
تنظيم التعدد
واستكمل الحديث الدكتور أسامة أمين، مدرس الحديث وعلومه بجامعة الأزهر، مؤكداً أن مسألة معاقبة الزوج حال الزواج من أخرى دون إبلاغ الزوجة الأولى تعد من القضايا التى أثارت جدلاً واسعاً خلال الفترة الأخيرة، خاصة مع مناقشات قانون الأسرة والمقترحات المتعلقة بتنظيم التعدد، موضحاً أن الشريعة الإسلامية كانت حريصة على حماية الأسرة وتحقيق الاستقرار داخل المجتمع، وأن الأصل فى العلاقة الزوجية أن تقوم على المودة والرحمة والوضوح والثقة المتبادلة بين الطرفين.
وأكد أن الزواج من امرأة ثانية أمر أباحه الإسلام بنصوص شرعية واضحة لكنه مرتبط بشروط وضوابط فى مقدمتها قدرة الزوج على النفقة وتحقيق العدل بين الزوجات، مشيراً إلى أن صحة الزواج شرعاً لا تتوقف على إبلاغ الزوجة الأولى إذ إن هذا الأمر ليس من شروط انعقاد الزواج أو صحته.

وأضاف أن المشكلة لا تكمن فى التعدد نفسه وإنما فيما قد يترتب عليه من ظلم أو ضرر للزوجة الأولى وأن الشريعة ترفض أى صورة من صور الإضرار بالمرأة سواء كان ذلك فى النفقة أو المبيت أو المعاملة أو إهمال الحقوق الأسرية، لافتاً إلى أن الأمر المباح قد يتحول إلى أمر منهى عنه إذا أصبح وسيلة لإيقاع الضرر أو الظلم مستشهداً بقول الله تعالى: {فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة}.
وأوضح أن تنظيم الدولة لمسألة التعدد أو وضع إجراءات قانونية مرتبطة به لا يعد فى حد ذاته مخالفة للشريعة الإسلامية، طالما أن هذا التنظيم يهدف إلى تحقيق المصلحة العامة وحفظ الحقوق ومنع النزاعات، مؤكداً أن الفقه الإسلامى أعطى لولى الأمر مساحة لتنظيم الأمور المباحة بما يحقق مصلحة المجتمع، شرط ألا يصطدم ذلك بنص شرعى ثابت.
وأشار إلى أن القوانين المنظمة لتوثيق الزواج أو إلزام الزوج ببعض الإجراءات القانونية تدخل فى إطار التنظيم الإدارى والإجرائى الذى يهدف إلى حفظ حقوق جميع الأطراف، وليس إلى تحريم ما أحله الشرع.
وفيما يتعلق بفكرة إخطار الزوجة الأولى، أوضح أن هذا الأمر قد يسهم فى تعزيز الثقة والوضوح داخل الأسرة، كما يعكس احترام الزوج لمشاعر زوجته وتقدير حياته الأسرية، لكنه فى الوقت نفسه لا يستطيع الجزم بشكل قاطع بما إذا كان الإخطار وحده سيؤدى إلى تقليل المشكلات الأسرية أو ربما يفتح باباً لخلافات جديدة، مؤكداً أن نجاح الحياة الأسرية فى النهاية يرتبط بمدى التزام الطرفين بالمسئولية والعدل والتفاهم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض