ﻋﺒﺎدة ﻻ ﺗﻜﺘﻤﻞ ﻓﺮﺣﺔ اﻟﻌﻴﺪ ﺑﺪوﻧﻬﺎ
صلة الرحم.. باب للرزق وطول العمر
يأتى العيد كل عام حاملًا معه دعوة إيمانية عظيمة لإحياء صلة الرحم، تلك العبادة التى قرنها الله تعالى بتقواه ووصله، فقال سبحانه: «وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِی تساءلونَ بِهِا والأرحام»، قال النبى صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى يقول للرَّحم مَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ» لتظل الأرحام ميزانًا يُقاس به صدق الإيمان وصفاء القلوب، وفى زحام المعايدات والزيارات، تتكشف معادن النفوس بين من يبادر بالوصل ابتغاء مرضاة الله، ومن تؤخره الخصومات والأهواء عن طرق أبواب أقاربه وأهله، ولم يجعل الإسلام صلة الرحم مجرد خلق اجتماعى أو عادة موسمية، بل ربطها بحقيقة الإيمان بالله واليوم الآخر، إذ قال النبى صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»، كما بيّن أن كمال هذه العبادة لا يكون بالمكافأة ورد الجميل فقط، وإنما بتجاوز القطيعة ومداواة الجفاء، فقال صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ الوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنِ الوَاصِلُ الَّذِى إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا».
ومع ما يشهده بعض الناس من اتساع فجوة الخلافات العائلية وتراجع الزيارات، يبقى العيد، فرصة متجددة لترميم العلاقات وإحياء المودة، خاصة عيد الأضحى، حيث يتشارك المُضحى مع أقاربه لحوم الأضحية ضمن ثلث «الإهداء»، وهو بابٌ عظيم للبر وصلة الرحم، والنصوص الشرعية جاءت شديدة التحذير من قطيعة الرحم، فقال تعالى: «ويقطعون ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن یُوصَلَ ويفسدون فِی الأرض أولئك لَهُمُ اللعنة وَلَهُم سوء الدَّار»، فيما، ليبقى وصل الأرحام بابًا من أبواب الرحمة والبركة، وطريقًا إلى صفاء النفس واستقامة المجتمع.
وفى هذا السياق، قال الدكتور هانى تمام، أستاذ الفقه بجامعة الأزهر، إن من أعظم مظاهر الفرح والسعادة فى العيد إحياء صلة الرحم والتواصل مع الأقارب، مؤكدًا أن هذه العبادة من أهم القربات التى ينبغى الحرص عليها فى هذه الأيام المباركة، لما لها من أثر عظيم فى توثيق العلاقات ونشر المحبة بين الناس، فالعيد هو يوم بهجة وفرح واجتماع للأهل والأقارب، ولا تكتمل هذه الفرحة إذا كانت القلوب ممتلئة بالخصام أو القطيعة.
وأوضح أستاذ الفقة، أن قطيعة الرحم من الأمور الخطيرة التى حذر منها الشرع الشريف، مستشهدًا بقول النبى صلى الله عليه وسلم: «من وصلك وصله الله، ومن قطعك قطعه الله»، مشيرًا إلى أن صلة الرحم تعنى بقاء الصلة ممتدة بين العبد وربه سبحانه وتعالى، وأنها سبب فى نيل رضا الله ورحمته، مستشهدًا بحديث النبى صلى الله عليه وسلم: «من سره أن يُبسط له فى رزقه ويُنسأ له فى أثره فليصل رحمه»، موضحًا أن من أراد البركة فى الرزق والعمر فعليه بالمحافظة على صلة رحمه.
فيما أكدت الدكتورة هبة إبراهيم، إن صلة الرحم ليست عبادة مرتبطة بالأعياد فقط، وإنما هى مقصد شرعى عام ينبغى أن يستمر طوال الوقت، موضحة أن الله سبحانه وتعالى اشتق اسم الرحم من اسمه الرحمن، فى دلالة عظيمة على مكانتها وأهميتها.
وأضافت عضو مركز الأزهر العالمى للفتوى الإلكترونية، أن الرحم «معلقة بين السماء والأرض»، وأن الله سبحانه وتعالى قال لها: «من وصلك وصلته ومن قطعك قطعته»، مؤكدة أن هذا الحديث يبين مدى عظمة صلة الرحم، وأنها من الأعمال التى يُثاب عليها العبد فى الدنيا قبل الآخرة.
وأوضحت أن الله عز وجل جعل لصلة الرحم آثارًا وبركات عاجلة فى حياة الإنسان، نظرًا لما تحققه من تآلف ومودة بين الناس، مؤكدة أن الأعياد تعد فرصة مناسبة لإصلاح العلاقات وتجديد الروابط الإنسانية والعائلية، خاصة مع من توجد بينهم خصومات أو جفاء نفسى ومعنوى.
وأكدت أن العيد ليس وقتًا للقطيعة أو زيادة الخلافات، بل مناسبة للبحث عن الأشخاص الذين انقطعت العلاقات معهم ومحاولة إعادة الود والتقارب، مشيرة إلى أن المسلم ينبغى أن يسعى إلى الصلة حتى مع من يقاطعه أو لا يبادر بالسؤال عنه.
وأضافت الدكتورة هبة إبراهيم، أن البعض يتوقف عن صلة رحمه بحجة أن الطرف الآخر لا يسأل أو لا يبادر بالتواصل، بينما المفهوم الحقيقى لصلة الرحم لا يقوم على المعاملة بالمثل فقط، وإنما على تحمل المشقة وبذل الجهد ابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى.
واستشهدت بحديث النبى صلى الله عليه وسلم الذى يوضح أن الواصل الحقيقى ليس الذى يكافئ من يصله، وإنما الذى يصل من قطعه، مؤكدة أن المسلم مأمور بأن يحافظ على علاقاته بأقاربه حتى إن وجد منهم جفاء أو تقصيرًا.
كما أشارت إلى قول النبى صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصدقة على ذى الرحم الكاشح»، موضحة أن المقصود هو القريب الذى يُظهر العداوة أو يحمل مشاعر سلبية، ومع ذلك يُستحب الإحسان إليه وصِلته والتصدق عليه طلبًا لرضا الله سبحانه وتعالى.
واختتمت حديثها بالتأكيد على أن صلة الرحم عبادة يتقرب بها العبد إلى الله، وأن المسلم حين يبادر بالتواصل مع أقاربه لا ينبغى أن ينتظر المقابل أو الشكر من الناس، وإنما يحتسب ذلك عند الله عز وجل، طمعًا فى رحمته وبركته وتوفيقه.
من جانبه قال الشيخ محمد كمال، عضو أمانة الفتوى بدار الإفتاء المصرية، إن من أبرز الأحكام والآداب التى جاءت بها الشريعة الإسلامية فى عيد الأضحى المبارك صلة الأرحام وزيارة الأقارب، مؤكدًا أن هذه العبادة من السنن العظيمة التى حرص عليها النبى صلى الله عليه وسلم فى أيام الأعياد.
وأشار الشيخ محمد كمال إلى أن الابتعاد عن زيارة الأقارب وقطع صلة الرحم فى الأعياد يُعد ابتعادًا عن هدى النبى صلى الله عليه وسلم، موضحًا أن العلماء تحدثوا عن الحكمة من ذهاب النبى صلى الله عليه وسلم إلى صلاة العيد من طريق وعودته من طريق آخر، كما ورد عن الصحابى جابر بن عبد الله رضى الله عنه، ومن هذه الحكم -كما ذكر الحافظ ابن حجر العسقلانى- توسيع دائرة صلة الرحم وزيارة الأقارب.
وأكد أن من يصل رحمه ينال مددًا إلهيًا وبركة فى حياته، مستشهدًا بقول النبى صلى الله عليه وسلم: «من وصلنى وصله الله»، موضحًا أن هذه الصلة تكون فى الرزق والمال والصحة والأبناء والتوفيق فى الحياة، حيث يجد الإنسان أثر البركة والتيسير فى شؤونه المختلفة.
وشدد عضو أمانة الفتوى بدار الإفتاء على أن المسلم ينبغى ألا يترك صلة رحمه حتى لو لم يجد المعاملة نفسها من أقاربه، موضحًا أن الواصل الحقيقى هو الذى يحافظ على صلة رحمه ابتغاء مرضاة الله، لا انتظارًا للمقابل من الناس.
ويبقى العيد، رغم ما يفرضه إيقاع الحياة من انشغال وتباعد، فرصة ربانية لإعادة وصل ما انقطع، وترميم العلاقات التى أنهكتها الخصومات والجفاء، فصلة الرحم ليست مجرد زيارة عابرة أو عادة اجتماعية، بل عبادة عظيمة تتجلى فيها معانى الرحمة والتسامح والتقرب إلى الله.

تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض