حكم تقديم رمي الجمار في أول أيام التشريق
اتَّسمَت فريضة الحج في الشريعة الإسلامية بسِمَةِ التيسير ورفع الحرج، ابتداءً مِن فرضها على المستطيع حيث قال جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]، وانتهاءً بما قرَّرَه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ» متفقٌ عليه مِن حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه.
تقديم رمي جمرات أيام التشريق مُجَمَّعَةً
ومن المقرر أن تقديم رمي جمرات أيام التشريق مُجَمَّعَةً في أول يوم منها وهو الحادي عشر من شهر ذي الحجة لِتَحَتُّمِ السفر الطارئ أو لِاتِّقَاءِ الزِّحام وشدة الحر -أمرٌ جائزٌ شرعًا، ولا إثم فيه ولا حرج، ويقع الرمي حينئذٍ أداءً لا قضاءً، انطلاقًا مِن اعتبار وَحدَةِ أيام التشريق الثلاث كوقتٍ لرمي الجمار، وهو مِن المسائل التي يُراعَى التخفيف فيها على المسلمين، كما أنه إذا تَعَلَّق الأمر بحفظِ المُهَج والنفوس مِن الضَّرَرِ والهلاك النَّاتِج عن تزاحم الحجَّاج في أوقاتٍ واحدةٍ على مناسك معيَّنةٍ استلزم ذلك التخفيف والتيسير ما أمكن.
بيان حكم رمي الجمار ووقت الرَّمي
مَنسَك رمي الجمار مِن مناسك الحج، و"الْأُمَّة أَجْمَعَتْ عَلَى وُجُوبِهِ"، كما قال الإمام علاء الدين الكَاسَانِي في "بدائع الصنائع" (2/ 136، ط. دار الكتب العلمية).
والرَّمي نوعان بفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم: رمي جمرة العقبة الكبرى، ورمي الجمار أيام التَّشريق؛ وذلك لما رواه الإمام مسلمٌ في "صحيحه" عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: رأيتُ النبي صلى الله عليه وآله وسلم يرمي على راحلته يوم النَّحرِ، ويقول: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ».
وجمرة العقبة الكبرى تُرمَى يومَ النَّحرِ، ولا يُرمَى معَهَا غيرُها بلا خلافٍ بين الفقهاء.
قال الإمام ابن المُنْذِر في "الإجماع" (ص: 58، ط. دار المسلم): [وأجمعوا على أنَّه لا يُرمى في يوم النَّحرِ غير جمرةِ العقبةِ] اهـ.
وقال الإمام ابن رُشْدٍ الحفيد في "بداية المجتهد" (2/ 115، ط. دار الحديث): [وأجمعوا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يَرمِ يومَ النَّحرِ مِن الجمراتِ غيرَها] اهـ. يعني: جمرة العقبة.
أمَّا بَقيَّة الجمار فالأصل أنَّها تُرمَى أيام التشريق الثَّلاثة بعد يوم النَّحر باتفاق الفقهاء، وهي أيام: الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من شهر ذي الحجة.
قال الإمام ابن حَزْم في "مراتب الإجماع" (ص: 46، ط. دار الكتب العلمية): [واتفقوا أنَّ ثلاثةَ أيامٍ بعد يوم النَّحرِ هي أيام رمي الجمار] اهـ.
حكم تقديم رمي الجمار في أول أيام التشريق
أمَّا تقديم رمي الجمار في أوَّل أيام التشريق وهو الحادي عشر من ذي الحجة فجوازه مختلفٌ فيه بين الفقهاء، ومدار خلافهم يرجع إلى مدى اعتبار جملة أيام التشريق الثلاث كوقتٍ واحدٍ صالحٍ لرمي جميع الجمار، أو عدم اعتباره واستقلال كلِّ جمرةٍ بوقتٍ عما قَبلَها وما بعدها مِن الجمار. ينظر: "البيان" للإمام العِمْرَانِي (4/ 353، ط. دار المنهاج).
فذهب جمهور الفقهاء مِن الحنفية والمالكية، والشافعية في مقابل الأظهر إلى أنَّ رمي الجمار له أوقاتٌ متعدِّدةٌ متمثلةٌ في أيام التشريق الثلاثة (الحادي عشر والثاني عشر من ذي الحجة لمن تَعَجَّل في يومين، ويُضاف إليهما الثالث عشر لمن تأخَّر، وكلاهما لا إثم عليه)، بحيث تستقلُّ كلُّ جمرةٍ بوقتٍ تامٍّ ابتداءً وانتهاءً عما قَبلَها مِن الجمار وما بعدها.
قال الإمام علاء الدين الكَاسَانِي الحنفي في "بدائع الصنائع" (2/ 139، ط. دار الكتب العلمية) في تعليل وجوب الدم على من أَخَّر رميَ يومٍ عن وقته: [أما عند أبي حنيفة فظاهر؛ لأنَّ رميَ كلِّ يومٍ مؤقَّتٌ، وعندهما: إن لم يكن مؤقَّتًا فهو مؤقَّتٌ بأيام الرمي، فقد ترك الواجب عن وقته] اهـ.
وقال الإمام أبو البَرَكَات الدَّرْدِير المالكي في "الشرح الكبير" (2/ 50، ط. دار الفكر، مع "حاشية الإمام الدُّسُوقِي"): [فجُملة الحَصَيَات سَبعُون لغير المتعجِّل، وتسعةٌ وأربعون للمتعجِّل، ووقتُ أداءِ كلٍّ (من الزوال للغروب)] اهـ.
قال الإمام الدُّسُوقِي مُحَشِّيًا عليه: [(قوله: وقتُ أداءِ كلٍّ من الزوال للغروب) أي: والليل عَقِيبَ كلِّ يومٍ قضاءٌ له كما مَرَّ، فيلزم الدمُ بالتأخير إليه ولو بحصاةٍ من جمرة] اهـ.
وقال الإمام النَّوَوِي الشافعي في "روضة الطالبين" (3/ 110، ط. المكتب الإسلامي): [لو ترك رميَ بعض الأيام وقُلنا: يُتَدَارَكُ، فتَدَارَكَ، فلا دم عليه على المشهور. وفي قولٍ: يجب دمٌ مع التدارُك، كمَن أخَّر قضاء رمضان حتى دخل رمضان آخَر، يَقضي ويَفدي] اهـ.
بينما ذهب الشافعيةُ في الأظهَرِ والحنابلةُ إلى أنَّ أيام التشريق كلَّها بالنسبة لرمي الجمار لا يستقِلُّ كلُّ يومٍ منها بوقتٍ لرمي الجمار فيه، وإنما هي في مجموعها وقتٌ واحدٌ موسَّعٌ، "كَاليَومِ الوَاحِد"، كما قال الإمام أبو الحسين العِمْرَانِي في "البيان" (4/ 352)، وليست أوقاتًا متعددة، شأنُها في ذلك شأنُ أوقات العبادات الموسَّعَةِ التي جَعَل الشرعُ لوقتها أولًا وآخِرًا، ويتحمَّل كلُّ وقتٍ من هذه الأوقات أداءَ العبادةِ في جزءٍ منه، مع اختلاف الأفضلية بين أجزائه.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض