شباب يموتون جوعًا وغرقًا:
«عزرائيل» فى مراكب الهجرة غير الشرعية
عم وصفى: كابوس موت ابنى لم ينته منذ عشر سنوات.. وفتحية: رهنت البيت لأوفر لابنى فلوس السفر وبعد موته بعت البيت
قانونى: عقوبات مشددة للمتاجرين بأرواح الشباب
ما زالت قوارب الهجرة غير الشرعية تحمل أبناءنا إلى مصيرهم المجهول فى عرض البحر، وما زال آلاف الشباب يلقون بأنفسهم إلى التهلكة فى رحلات الموت المحتوم بحثًا عن فرصة للهجرة، فضيق الرزق والمستقبل الغامض هنا يدفعهما إلى المجازفة بأرواحهم حتى لو كانت النتيجة كارثة تحل بهم وبأسرهم.
آلاف الشباب يداعبهم حلم الهجرة كل يوم، يرسمون فى مخيلتهم أحلام السفر والأموال والشقة والسيارة، ومنهم من يحلم لغيره، فقد يكون الهدف من السفر هو تجهيز شقيقاته وتوفير حياة أفضل لأسرته، ولكن غالبًا ما تأتى الرياح بما لا يشتهيه «المهاجرون» وتكون النتيجة الموت وضياع كل الأحلام وترك أسرة مكلومة تبكى على ابن ضاع بسبب أطماع أو أوهام الثراء.
تمثل قضية الهجرة غير الشرعية جرحًا غائرًا فى قلب المجتمع منذ سنوات، تتجدد أوجاعه كلما وقع حادث من هذه الحوادث التى تبكى قلوب الجميع قبل قلوب أسر الضحايا أنفسهم، ومؤخرًا تجددت المأساة على سواحل منطقة أبوغليلة التابعة لمدينة سيدى برانى غرب مرسى مطروح، حين لفظ البحر 12 جثة لشباب مصريين هاجروا بشكل غير شرعى، وهذه المرة لم يمت الشباب بسبب الأمواج العاتية أو غرق بهم المركب فى عرض البحر، بل إنهم تاهوا بمركبهم الصغير وماتوا جوعًا وعطشًا، وتحللت أجسادهم، بل إن أحدهم وجدت جثته أقل تحللًا وهو ما تم تفسيره بأنه كان آخر المتوفين، والذى ظل حيًا لفترة بين جثث رفاقه حتى رحمه الله.
كابوس الآباء والأمهات
أيام ثقيلة تعيشها أسر ضحايا حوادث الهجرة غير الشرعية، ينتظرون إما خبر الوفاة أو النجاة، كلما دق جرس الهاتف فى منزل أحدهم ترتفع معه دقات قلبه، منتظرًا خبرًا يقينًا على الطرف الآخر، إما الحزن طوال العمر أو الثروة واحتمال تحقيق الأحلام، ولكن فى حوادث الهجرة غير الشرعية يكون الحزن هو النتيجة التى لا يطمسها مرور السنين، وهذا الوصف ينطبق على حالة وصفى السيد، الرجل السبعينى الذى فقد ابنه الوحيد منذ عشر سنوات، فى رحلة هجرة غير شرعية، كان ابنه شابًا فى مقتبل العمر، يحلم بحياة أفضل، ويكرر قبل سفره بلهجة صعيدية: «هارجع يا أبوى ومعايا اللى يكفيك ويكفى أخواتى البنات.. هخليهم يعيشوا عيشة أحسن»، لكن الحلم انتهى قبل أن يبدأ.
يقول الرجل المكلوم، بصوت هادئ لكنه مثقل بالهموم: «أى خبر عن حادثة للهجرة بيوجعنى علشان بيفكرنى إن الجرح لسه مفتوح»، ويتابع: «مازلت متذكر المشهد… كنت بحلم إنه يرجع محمل فلوس، يبنى البيت، ويقف جنبى فى الكِبر… لكن رجعلى محمول على الأكتاف، فى نعش الموت. بدل ما كان حلمى أشوفه سندى، بقيت أنا اللى شايله».
منذ ذلك اليوم، لم يعد البحر عند «عم وصفي» مجرد مكان بعيد، بل رمزًا للفقد، كل حادث غرق يسمعه فى الأخبار يعيده إلى نفس اللحظة، يقول: «أى حادث بسمع عنه، بيرجعلى كوابيس بابني… كأن الزمن بيعيد نفسه. نفس الوجوه، نفس الوداع، نفس الصمت اللى بعد الخبر».
لا ينسى وصفى تفاصيل الجنازة، ولا لحظة استلام الجثمان، ولا صدمة البنات الثلاث حين فهمن أن أخاهن الوحيد لن يعود، يقول بصوت متقطع: «السند اتكسر بدرى قوى، وفضلت أنا واقف لوحدى».
ويسرد الأب حكاية ابنه الثلاثينى، خريج كلية تجارة، كان يحمل شهادة، لكنه لا يحمل وظيفة ثابتة، يقول بابتسامة خفيفة تخفى تعبًا طويلًا: «لما اتخرج ابنى كنت فاكر الدنيا هتفتحلى بابها… لكن لقيت الأبواب كلها مقفولة».
طرق ابنه أبواب الشركات الخاصة، ووقف فى طوابير الوظائف الحكومية، وأرسل سيرته الذاتية أكثر من مرة. لكن النتيجة كانت دائمًا الانتظار. يقول: «كنت مستنى فرصة تخلى ابنى يبدأ حياته… لكن الوقت طول، وبقيت كل يوم أستنى نفس المكالمة اللى ما بتيجيش يا حاج خلى ابنك يجى يشتغل».
اضطر ابنه للعمل نجارًا ليكسب رزقه، فى البداية كان يرى الأمر مؤقتًا، لكنه أصبح واقعًا يوميًا، وقال الأب: «الشغل مش عيب، بس أنا كنت متخيل نفسى بعد شقى سنين هشوف ابنى فى مكتب، فى شركة، فى مكان يناسب تعبى فى المصاريف عليه فى الدراسة… مش فى ورشة خشب، رغم إنى بقيت بحب الشغل ده مع الوقت علشان خلاه راجل معتمد على نفسه لكنه ضحى بسعادته ومتجوزش علشان يصرف علينا».
من حالة وصفى إلى السيدة فتحية جمال، التى سردت قصتها قائلة: إنها تحمل فى قلبها وجعًا لا يهدأ منذ 7 سنوات، تقول بصوت خافت كأنها تخشى أن يعلو فينكسر أكثر: «أنا ما عدتش عايشة… أنا بس باخد نفسى عشان أفتكر ابنى».
ابنها «مراد» كان شابًا بسيطًا، يحمل أحلامًا أكبر من عمره، بعد تخرجه من الجامعة، قرر السفر إلى اليونان عبر البحر، بحثًا عن فرصة عمل تساعده على تحسين حياة أسرته، كان دائمًا يقول لأمه: «يا أمى أنا مسافر علشان أصرف على علاجك، وأكفى نفسى، وأجهز نفسى للجواز، وأجوز أخويا كمان».
تكرر «فتحية» كلماته كأنها تحفظها عن ظهر قلب، ثم تقول: «“كان شايل هم الدنيا كلها وهو لسه فى بداية عمره… ما كانش عايز يعيش لنفسه، كان عايز يعيش لينا»، الرحلة لم تكتمل وغرق ابنها «مراد» فى البحر، وعاد إلى وطنه جثة هامدة، وتستكمل: «دفعت 100 ألف جنيه علشان أستلم جثته» ومنذ تلك اللحظة، لم يعد البيت بيتًا، بل صار ذكرى معلقة فى الجدران مع صورته. تستكمل السيدة حديثها عن ابنها قائلة: «عايشة على ذكراه… على صوته وهو بيقول يا أمي… على ضحكته اللى كانت بتنور البيت»، قبل سفره الأخير، كان مراد قد جرب السفر إلى ليبيا فى رحلة قصيرة، وعاد منها محملًا ببعض المال. كانت تلك التجربة سببًا فى زرع فكرة السفر الأكبر.
تقول فتحية: «لما رجع من ليبيا وفرحنا إنه قدر يصرف على نفسه ويكمل دراسته، افتكرنا إن الطريق فتح… ما كناش نعرف إن ده كان أول طريق الوجع»، بعد وفاته، حاولت الأم أن تفى بوعد ابنها غير المكتمل، ورهنت البيت من أجل أن يسافر ابنها، على أمل أن يعوض جزءًا من خسارة العائلة، لكنها تقول بصوت منكسر: «رهنت البيت.. وبقينا أنا وابنى التانى فى الشارع. كنت فاكرة إنى بفتح له باب الحياة، طلعت بفتح باب الموت».
ابنها الثانى يعيش معها الآن، فى شقة إيجار، يحاول أن يتمسك بما تبقى من الأسرة. تقول فتحية: «أنا مش عايزة حاجة من الدنيا غير إن ابنى يعيش مستور… يكفى اللى حصل»، كلما سمعت عن حادث غرق أو هجرة غير شرعية، يعود المشهد كله إلى ذهنها. تقول: «أى خبر عن شباب بيغرقوا… بحس كأن مراد بيرجع تانى قدام عيني… نفس البحر، نفس الحلم، نفس النهاية».
المواجهة
من جانبه، قال الدكتور خالد الشافعى: إن الدولة أيضًا تتحمل أعباء كبيرة نتيجة الهجرة غير الشرعية، سواء من الناحية الاقتصادية أو الأمنية، لافتًا إلى أن خروج الشباب فى سن العمل يحرم سوق العمل من طاقات إنتاجية مهمة كان يمكن أن تسهم فى دعم الاقتصاد وزيادة الإنتاج. كما أن الظاهرة تؤثر على صورة الدولة وتفرض تحديات إضافية تتعلق بمكافحة شبكات التهريب والجريمة المنظمة. وشدد «الشافعي» على أن مواجهة الهجرة غير الشرعية لا تعتمد فقط على الحلول الأمنية، بل تحتاج إلى معالجة اقتصادية واجتماعية شاملة، تبدأ بتوفير فرص عمل حقيقية للشباب، والتوسع فى دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتحسين برامج التدريب والتأهيل المهنى بما يتناسب مع احتياجات سوق العمل.
عقوبات مشددة ولكن
قال أستاذ القانون الدولى، الدكتور أحمد القرمانى إن القانون المصرى وضع عقوبات متنوعة، وقاسية على هذه الجريمة. وأضاف أنه فى سبيل حرص الدولة على كبح جماح الهجرة غير الشرعية تم إنشاء اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة ومنع الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر، وهى تابعة لرئيس مجلس الوزراء، وتختص تلك اللجنة بالتنسيق على المستوى الوطنى والدولى بين السياسات والخطط والبرامج الموضوعة لمكافحة ومنع الهجرة غير الشرعية وتقديم أوجه الرعاية والخدمات للمهاجرين المهربين وحماية الشهود فى إطار اتفاقيات التعاون بين الدول.
وأوضح «القرماني» أن تأسيس صندوق مكافحة الهجرة غير الشرعية وحماية المهاجرين والشهود هو صندوق ذو شخصية اعتبارية مستقلة وتتكون موارده مما تخصصه له الدولة فى الموازنة العامة، وما يعقده من قروض وما يتقبله من تبرعات ومنح هبات من الجهات الوطنية أو الأجنبية.

تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض