رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

 


رغم مئات المناورات التي أجراها الجيش المصري على مدار العقد الأخير، إلا أن مناورة بدر 2026 الأخيرة لم تكن مجرد نشاط تدريبي عابر، بل كانت شرارة فجرت حالة من الهستيريا غير المسبوقة داخل الأوساط الإسرائيلية. فجأة، تعالت فحيح الصحافة العبرية بمختلف توجهاتها، وانخرطت نخب سياسية وبرلمانيون ومحللون عسكريون مقربون من دوائر صنع القرار في الشباك والموساد في حالة من الجدل، مطالبين حكومة بنيامين نتنياهو بتوضيحات عاجلة وشفافة عما يحدث فعليا خلف الحدود الجنوبية لدولة الاحتلال.

ويبدو أن شرارة هذا الذعر انطلقت من الميدان مباشرة، وتحديدا من شكاوى سكان المستوطنات المتاخمة للحدود، الذين أفزعتهم أصوات الذخيرة الحية وهدير المحركات التي لم تهدأ طوال ساعات المناورة. إن تلك القذائف التي دكت الأهداف الافتراضية لم تكن مجرد تدريب فحسب، بل كانت رسالة صوتية مسموعة لمن اعتادوا الهدوء الظاهري، مذكرة إياهم بأن القوة الرابضة خلف الحدود ليست في حالة سكون، بل في حالة يقظة وتطور دائم.

يرجع القلق الإسرائيلي المتصاعد مؤحرا إلى عدة عوامل جوهرية برزت في هذه المناورة. فبالرغم من أن التدريبات الضخمة تخضع للتنسيق المسبق أو الإخطار المتبادل منعا لأي سوء فهم، إلا أن نوعية المهام المنفذة في بدر 2026 حملت دلالات تجاوزت الأطر الروتينية.

لقد ركز التدريب بشكل مكثف على سيناريو تطوير الهجوم في بيئة قتالية معقدة، وهو أسلوب قتالي يثير ريبة قادة الاحتلال بامتياز، كونه ينتقل من وضعية الدفاع إلى الهجوم الخاطف والسيطرة. وهنا نؤكد أن عقيدة خير أجناد الأرض لا تستأذن أحدا في رسم حدود تدريباتها، ولا تضع في حساباتها حساسية عدو يراقب كل شاردة وواردة، فسيادة القرار العسكري المصري يبدأ من اختيار التوقيت وينتهي بتحقيق الهدف.

وللأمانة أكثر، فإن المفاجأة الحقيقية التي هزت المتابعين في تل أبيب كانت الحديث الممتد حول عمليات التشويش الإلكتروني الواسع. فقد أفادت تقارير بأن نطاق المناورة شهد استخدام تقنيات متطورة طالت الرادارات وشبكات الاتصال، بل ووصلت إلى تعطيل أنظمة الملاحة العالمية (GPS) في عمق المناطق القريبة.

يرى المحللون العسكريون في إسرائيل أن هذا التشويش كان بروفة لرسالة ردع تقنية، مفادها أن سلاح الحرب الإلكترونية المصري بات يمتلك القدرة على إعماء أجهزة العدو وشل حركته قبل أن تبدأ أول رصاصة. وبينما اعتبر جانب أخر هذه التشويشات نتاجا طبيعيا لكثافة المعدات المشاركة، لكن الرسالة ببساطة قد وصلت بوضوح، التكنولوجيا العسكرية المصرية لم تعد مستوردة فقط، بل باتت سلاحا هجوميا بامتياز.

توالت المفاجآت مع الظهور المهيب لدبابات الأبرامز، والمشاركة الفعالة لمدافع (K9-EGY) ذاتية الحركة، التي تعد فخر الانضمام الأخير لسلاح المدفعية. إن دمج هذه المنظومات، التي تصنع أجزاء كبيرة منها ومن ذخيرتها داخل المصانع الحربية المصرية، يمثل كابوسا للاحتلال، فالتصنيع المحلي يعني استدامة القتال واستقلال القرار العسكري عن أي ضغوط خارجية أو نقص في سلاسل الإمداد.

النعيق الإسرائيلي الأخير هو محاولة يائسة، حاولت إسرائيل تسمعها إلى واشنطن بحثا عن تطمينات حول القوة المتصاعدة  المصرية، لكن هذه المخاوف لم تجد أذنا صاغية. إذ تدرك الإدارة الأمريكية أن قوة الجيش المصري وانضباطه يمثلان صمام الأمان الوحيد لتأمين الممرات الملاحية في البحر الأحمر، وتعي تماما أن مصر قوية هي الضمانة الحقيقية لاستقرار المنطقة، وأن هذه القوة رغم ضخامتها هي قوة عاقلة تحمي ولا تهدد، لكنها لا تفرط.

بصراحة اكثر، إن هذا القلق الإسرائيلي ليس إلا منتجا ثانويا لنجاح المهمة، وهو في جوهره شهادة اعتراف بكفاءة المقاتل المصري. أما الرسالة الأهم التي يجب أن تصل لكل مواطن، هي أن جيشه قد وصل لمرحلة من القوة تضمن حماية أمننا وتأمين مصالحنا الوطنية في البر والبحر والجو، وتفتح الباب أمام مستقبل آمن لكل فرص الاستثمار والتنمية، تحت حماية درع وسيف لا ينامان.