رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

تائهون بين أدوات الحدادة وورش النجارة والميكانيكا: عمالة الأطفال تتحدى القانون

بوابة الوفد الإلكترونية

سارة 10 سنوات بائعة فى السوق لمساعدة والدتها.. وأحمد 12 سنة العائل الوحيد لأسرته بعد وفاة والدهم

عيد العمال لا يعرف «كريم» جامع القمامة ولا «على» ماسح الأحذية 
محمود البدوى: القانون خطوة مهمة لكنه لا يكفى بدون وعى مجتمعى ورقابة حقيقية
د. سحر السنباطى: أطفال مصر ثروتها الحقيقية وحمايتهم أولوية وطنية

 

فى مشهد مؤلم يتكرر يوميًا فى شوارع مصر وورشها وأسواقها الشعبية، يُرغم آلاف الأطفال على ترك مقاعد الدراسة، ليلتحقوا بسوق العمل فى سن مبكرة، بحثًا عن لقمة عيش تسد احتياجات أسرهم الفقيرة، على حساب طفولتهم ومستقبلهم. رصدت «الوفد» معاناة هؤلاء الصغار من خلال شهادات حيّة لأطفال كأحمد وعلى وسارة وكريم، الذين وجدوا أنفسهم بين أدوات الحدادة، وصناديق تلميع الأحذية، وأكوام القمامة، أو خلف طاولات البيع، على أمل توفير المال، حتى لو كان الثمن مستقبلهم التعليمى وصحتهم النفسية والجسدية.
يقول أحمد، ابن الثانية عشرة إنه لم يكن أمامه سوى النزول إلى العمل بعد وفاة والده، ليتحمل مسئولية والدته وشقيقاته يعمل فى إحدى ورش الحدادة حيث يمضى ساعات طويلة بين الحديد والشرر، يحلم بأن يكمل تعليمه، لكن الواقع يفرض عليه أن يكون معيلًا لأسرته.
أما على، الذى يبلغ من العمر 13 عامًا، فيحمل صندوق مسح الأحذية ويجوب الشوارع. يحكى بصوت منخفض: «أرى زملائى يذهبون إلى المدرسة وأنا أركض بين السيارات.. أحلم أن أتعلم لكن يجب أن أكسب المال لأساعد إخوتى الصغار».
خلف طاولة صغيرة فى سوق شعبى تقف سارة، ذات الأعوام العشرة، تبيع الخضروات بجوار والدتها. رغم براءتها، تبدو عيناها مرهقتين من طول الوقوف ومساومة الزبائن. تقول: «أتمنى أن أذهب للمدرسة كل يوم، لكنى أساعد أمى هنا، فوالدى مريض ولا يستطيع العمل».
ويحكى كريم، ذو الثانية عشرة، حكايته مع صديقه على، حيث يجوبان الشوارع يجمعان مخلفات القمامة من زجاجات بلاستيكية وكرتون. يقول كريم: «أحيانًا نتعرض لجروح من الزجاج المكسور، ونمرض من الروائح، لكن يجب أن نجمع ما نستطيع بيعه».
القانون يحمى الأطفال 
ورغم أن الدولة حاولت تحجيم هذه الظاهرة من خلال قانون العمل رقم 14 لسنة 2025، الذى وضع إطارًا تشريعيًا صارمًا يحمى الأطفال من الاستغلال، ويضمن لهم التدريب والتأهيل بشكل لا يتعارض مع حقهم فى التعليم أو نموهم الجسدى والنفسى. إلا أن الظاهرة ما زالت تغتال براءة الأطفال. 
وقد نص القانون فى مادته (61) على حظر تشغيل الأطفال دون سن 15 عامًا، مع السماح بتدريبهم بدءًا من سن 14 عامًا، بشرط ألا يؤثر ذلك على مواصلة تعليمهم. ولضمان حقوق الأطفال المتدربين، ألزمت المادة 62 صاحب العمل بإصدار بطاقة تدريب معتمدة لكل طفل دون 15 عامًا، تحتوى على صورة الطفل وتُختم من الجهة الإدارية المختصة، لضمان التوثيق والرقابة.
ووضع القانون ضوابط لساعات العمل اليومية للأطفال، بحيث لا تتجاوز 6 ساعات يوميًا، تتخللها فترات راحة لا تقل عن ساعة. كما حظر تشغيل الأطفال لأكثر من 4 ساعات متواصلة دون راحة، ومنع العمل فى ساعات الليل (من 7 مساءً حتى 7 صباحًا)، أو فى أيام الراحة الأسبوعية والعطلات الرسمية.
كما نصت المادة 64 على حظر تشغيل الأطفال فى الأعمال الخطرة أو الضارة بالصحة أو التعليم، أو التى قد تؤثر على نموهم الأخلاقى أو النفسى. وتُحدد هذه الأعمال من خلال الوزير المختص بالتنسيق مع المجلس القومى للطفولة والأمومة.
ضوابط حماية الأطفال 
فى هذا الصدد، يقول محمود البدوى، المحامى بالنقض والخبير بتشريعات الطفل، إن الدولة اتخذت خطوات قانونية مهمة لحظر عمالة الأطفال بما يتماشى مع قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 وتعديلاته بالقانون رقم 126 لسنة 2008، حيث وُضعت تسعة ضوابط صارمة تهدف لحماية الأطفال من الاستغلال فى سوق العمل، من أبرزها: التأمين الصحى للأطفال العاملين، إلزامية التعاقد الرسمى، حظر تشغيلهم فى الأعمال الخطرة أو لساعات إضافية، وضمان حصولهم على فترات راحة كافية.
وأشار «البدوى» فى حديثه لـ «الوفد» إلى أنه «رغم وجود هذا الإطار القانونى، إلا أن التطبيق الإيجابى له لا يزال محدودًا»، مؤكدًا أن المسؤولية لا تقع فقط على عاتق أصحاب العمل، بل تمتد أيضًا لأولياء الأمور، لأن تشغيل الطفل يتم غالبًا باتفاق ضمنى بين الطرفين بعيدًا عن رقابة القانون.
وأضاف: «أنا لا أؤمن بفعالية القوانين وحدها فى حماية الأطفال من سوق العمل، ما لم يكن هناك مسار توعوى متكامل يستهدف الأسر والمجتمع، لتعريفهم بمخاطر عمالة الأطفال على حقهم فى التعليم والنمو السليم».
وتابع «البدوى» موضحًا أن برنامج «تكافل وكرامة» ساهم بشكل ملموس فى تقليل معدلات عمالة الأطفال، نظرًا لاشتراطه التحاق الأطفال بالتعليم كشرط للحصول على الدعم، ما أدى إلى تعديل سلوك بعض الأسر.
ولفت «البدوى» إلى أن الدولة أطلقت عدة خطط واستراتيجيات لمكافحة عمالة الأطفال، منها: الخطة الوطنية لمكافحة أسوأ أشكال عمل الأطفال ودعم الأسرة (2018-2025)، الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر (2016-2021)، الاستراتيجية الوطنية للطفولة والأمومة (2018-2030)، برنامج «أطفال بلا مأوى»، ومبادرات لتوسيع فرص التعليم والحماية للأطفال المعرضين للخطر.
ورغم ذلك، أكد «البدوى» أن هناك تحديات حقيقية تعيق التنفيذ الفعّال لهذه السياسات، منها وجود ثغرات قانونية يتم استغلالها لتشغيل الأطفال، بالإضافة إلى ضعف أداء بعض المؤسسات المعنية، مثل المجلس القومى للطفولة والأمومة، وخطة العمل الوطنية، وبرنامج «تكافل وكرامة».
وفيما يتعلق بالضوابط القانونية، أوضح «البدوى» أن قانون العمل المصرى فى مواده من (57 إلى 61) شدد على حظر تشغيل الأطفال دون 15 عامًا، مع السماح بالتدريب بدءًا من سن 14 بشرط عدم تعارضه مع التعليم. كما حدد ساعات العمل للأطفال فوق 16 عامًا بـ 6 ساعات يوميًا، مع فترات راحة، ومنع العمل الليلى أو فى العطلات الرسمية.
واختتم «البدوى» قائلاً: «من يخرق هذه القواعد يعرض نفسه لغرامة تبدأ من 2000 جنيه وتتضاعف فى حال تكرار المخالفة، إلا أن الردع القانونى وحده لا يكفى ما لم يصاحبه وعى مجتمعى حقيقى بخطورة هذه الظاهرة على حاضر الأطفال ومستقبلهم».
خطة وطنية 
وبدورها، أكدت الدكتورة سحر السنباطى رئيسة المجلس القومى للطفولة والأمومة، أن مصر تولى اهتماماً بالغاً بحماية حقوق الطفل، باعتبارهم ركيزة أساسية فى بناء الدولة الحديثة. وقالت إن الدولة تنفذ التزاماتها الدولية والوطنية تجاه الأطفال، عبر تطوير السياسات والتشريعات والمؤسسات المعنية، لضمان بيئة حامية للأطفال ومستجيبة لاحتياجاتهم.
وأضافت «السنباطى»، أن تقرير الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء الصادر فى نوفمبر 2024 أشار إلى أن عدد الأطفال فى مصر بلغ نحو 39.5 مليون طفل، وهم «ثروة مصر الحقيقية ومستقبلها»، مشددة على أن هذا الرقم يستوجب تعزيز الجهود الرامية إلى حماية حقوقهم، لا سيما فيما يتعلق بمنع العمل المبكر وضمان التعليم والرعاية.
وأوضحت أن الدولة أطلقت الخطة الوطنية لمكافحة أسوأ أشكال عمل الأطفال، بالتعاون مع منظمة العمل الدولية، مشيرة إلى أن هذه الخطة تشمل تدابير عملية كإنشاء وحدات لمكافحة عمل الأطفال فى جميع المحافظات، بالإضافة إلى إعداد دليل إجرائى موحد لتنسيق جهود الحماية والوقاية من هذه الظاهرة.
ولفتت «السنباطى» إلى أن القانون المصرى يحظر تشغيل الأطفال قبل سن 15 عاماً، ويمنع تدريبهم قبل سن 13 عاماً، ويعاقب كل من يخالف هذه القواعد، مؤكدة أن نسبة الأطفال العاملين فى الفئة العمرية بين 5 إلى 17 عاماً انخفضت من 7% عام 2014 إلى 4.9% عام 2021، وفقاً لأحدث الإحصائيات.
كما شددت رئيسة المجلس على أن خط نجدة الطفل 16000 يلعب دوراً محورياً فى تلقى الشكاوى المتعلقة بعمل الأطفال، موضحة أنه يتم التعامل مع البلاغات بشكل فورى من خلال التدخلات الاجتماعية والنفسية والقانونية، بالتعاون مع الجهات المختصة.
وأكدت «السنباطى» أن المجلس يعمل فى إطار قانونى ومؤسسى جديد منذ صدور قانون تنظيمه فى نوفمبر 2023، والذى منحه استقلالية فنية ومالية وإدارية وجعل منه الآلية الوطنية المعنية بالأم والطفل، وهو ما يعزز من فاعلية المجلس فى متابعة ورصد الانتهاكات، والتفاعل مع قضايا الأطفال بشكل أكثر كفاءة.
وفى سياق متصل، أشارت «السنباطى» إلى أن الدولة تعمل على تعزيز فرص التعليم وتحسين جودته، باعتباره الوسيلة الأساسية لحماية الأطفال من التسرب والعمل المبكر، موضحة أنه تم التوسع فى بناء المدارس المجتمعية فى المناطق الأكثر احتياجاً، والتى بلغ عددها نحو 4943 مدرسة تستوعب قرابة 140 ألف طفل.
وفى ختام حديثها، شددت الدكتورة سحر السنباطى على أن الدولة لن تدخر جهداً فى حماية حقوق الأطفال، ووضع مصلحتهم الفضلى فى مقدمة السياسات الوطنية، مشيرة إلى أن الجهود التشريعية والتنفيذية مستمرة لإنهاء كافة أشكال العنف والاستغلال بحق الأطفال، وبناء مستقبل أكثر أماناً وعدالة لهم.
مرحلة تأسيسية 
والتقطت الدكتورة منى حمدى، خبيرة العلاقات الأسرية واستشارى الصحة النفسية، أطراف الحديث لتؤكد أن عمالة الأطفال ليست مجرد قضية اجتماعية أو قانونية، بل هى معضلة نفسية تطال بنية الطفل فى أخطر مراحل تكوينه. وأوضحت أن عمالة الأطفال تؤثر بشكل مباشر على نموهم النفسى والاجتماعى، حيث يضطر الطفل العامل لتحمل ضغوط تتجاوز عمره، ما يؤدى إلى اضطرابات تطورية خطيرة.
وتشير «حمدى» فى حوارها مع «الوفد» إلى أن الطفولة تُعد مرحلة تأسيسية لتكوين الهوية النفسية والاجتماعية، وأى انحراف عن المسار الطبيعى للنمو فى هذه المرحلة، كالتعرض المبكر لضغوط العمل، يهدد بتشويه هذه الهوية. وتضيف: «الطفل العامل غالبًا ما يُحرم من التفاعل الآمن مع أقرانه، ومن الدعم العاطفى، مما يضعف مهاراته فى التنظيم الانفعالى ويؤخر تكوين هويته الاجتماعية».
وتحذر الخبيرة من أن الأطفال العاملين قد يتعرضون لما يسمى «الإجهاد السام»، وهو توتر مستمر يغير بنية الدماغ ووظائفه، ما يؤدى إلى مشاكل فى الذاكرة والانتباه واتخاذ القرار، فضلًا عن زيادة احتمالية الإصابة باضطرابات مثل القلق المزمن واضطراب ما بعد الصدمة.
وتوضح «حمدى» أن هناك عوامل نفسية واجتماعية تدفع بعض الأسر إلى تشغيل أطفالها، أبرزها ما يُعرف بـ»العجز المكتسب»، حيث تفقد الأسرة إيمانها بقدرتها على تحسين وضعها الاقتصادى دون إشراك الطفل فى العمل. كما تشير إلى أن الفقر، وضعف شبكات الحماية الاجتماعية، وقلة الوعى التربوى، هى عوامل رئيسية تدفع الأسر للسماح لأطفالها بالعمل.
وتضيف «حمدى»: «فى بعض الحالات، قد يعمل الطفل بدافع الاعتماد على الذات، خاصة فى حال وفاة الأب أو غياب العائل، لكن هذا السلوك يعكس أحيانًا حالة من النضج الكاذب، حيث يظهر الطفل متحملًا للمسؤولية بينما يخفى داخله مشاعر مكبوتة من الألم والقلق».
وتدعو الدكتورة منى حمدى إلى تكثيف جهود التوعية المجتمعية بمخاطر عمالة الأطفال، من خلال برامج شاملة ومتعددة الأبعاد، تشمل التثقيف النفسى للأسر، وتعزيز مفاهيم الأمان والتنشئة السليمة، وبناء الثقة داخل المجتمع. كما تؤكد على أهمية التدخل المبكر عبر المدارس والمراكز الصحية، لرصد الأطفال المعرضين للخطر وتقديم الدعم النفسى والاجتماعى لهم.
وفى ختام حديثها، تؤكد «حمدى»: «لا يمكن التصدى لظاهرة عمالة الأطفال عبر العقوبات فقط. بل يجب أن نركز على فهم العوامل النفسية والاجتماعية التى تدفع الأطفال للعمل، وتطوير منظومات دعم تمنحهم حقهم الطبيعى فى عيش طفولتهم بعيدًا عن أعباء الكبار». مشيرة إلى أن قانون العمل الجديد يمثل خطوة مهمة نحو الحد من عمالة الأطفال فى مصر، حيث يهدف إلى تقليص فرص الاستغلال، وضمان بيئة تدريب آمنة لا تتعارض مع التعليم، بما يعكس التزام الدولة بحماية حقوق الطفل وتفعيل الاتفاقيات الدولية المعنية.