الشرق الأوسط على حافة الهاوية.. قراءة في خطاب أبو الغيط بمجلس الأمن
في واحدة من أكثر خطاباته حدة ووضوحاً، وضع الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، المجتمع الدولي أمام مرآة مسؤولياته التاريخية، مقدماً تشريحاً دقيقاً لما وصفه بـ "عقيدة الصراع المستمر" التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية الحالية.
الخطاب الذي ألقاه أمام مجلس الأمن في 28 أبريل 2026، لم يكن مجرد استعراض للأزمات، بل كان بلاغاً سياسياً يحذر من تحويل حل الدولتين إلى "أطلال" بفعل سياسات الأمر الواقع.
خلف النبرة الهادئة للأمين العام، ثمة غضب عربي من استنزاف الوقت. لقد جاء أبو الغيط إلى نيويورك ليقول إن "الوهم" هو العنوان الأبرز للمرحلة؛ وهم القوة التي تحقق الأمن، ووهم الاتفاقات التي تفرغ من مضمونها.
في خطاب تجاوز المألوف، ربطت الجامعة العربية بين توسع الاستيطان في الضفة، والدمار في غزة، والتحرش بالسيادة الصومالية، لترسم صورة "توسعية" للحكومة الإسرائيلية لا تقف عند حدود.
وجاء في خطاب ابو الغيط نقطة بالغة الخطورة، وهي تعامل إسرائيل مع غزة عبر ما أسماه أبو الغيط بـ "الخط الأصفر". هذا المصطلح ليس مجرد تقسيم فني، بل هو إعلان عن واقع احتلالي جديد يلتهم نصف مساحة القطاع، ويجعل من الانسحاب الإسرائيلي الكامل "حبراً على ورق". المثير للاهتمام هو الإشارة الصريحة إلى أن إسرائيل "تنتقي" من خطة الرئيس ترامب (أكتوبر 2025) ما يخدم أمنها فقط، بينما تضرب بعرض الحائط بنود "التعافي المبكر" وإعادة الإعمار، تاركة أكثر من مليوني فلسطيني في الخيام بلا أفق.
لم يغفل الخطاب الجانب العملياتي في تصفية القضية؛ حيث أشار بقوة إلى "الحرب المالية" ضد السلطة الفلسطينية عبر احتجاز أموال المقاصة منذ مايو الماضي، توازياً مع القوانين الباطلة ضد "الأونروا". وبهذا يشير ضمنيا إلى أن الهدف الإسرائيلي ليس "حماس" فحسب، بل تجفيف منابع الحياة المؤسساتية الفلسطينية لدفعها نحو الانهيار الشامل.
في الخطاب كانت الإشارة الصريحة للعبث الإسرائيلي في القرن الإفريقي والمس بوحدة الصومال عبر دعم "الأقاليم المارقة". هذه الإشارة تعكس وعياً عربياً جديداً بأن التهديد الإسرائيلي لم يعد محصوراً في فلسطين ولبنان وسوريا، بل امتد لتهديد "الأمن القومي العربي الشامل" في مناطق نفوذ حيوية.
ومنذ عام ٢٠٢٥ اندرجت الصومال في اي خطاب حول "الشرق الأوسط" في مجلس الأمن، حيث تري الجامعة ان التحرك الإسرائيلي لم يعد محصوراً في دول الطوق، بل امتد لتهديد الملاحة والأمن القومي العربي في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
رغم ترحيب الجامعة بوقف إطلاق النار في لبنان (16 أبريل)، إلا أن أبو الغيط وضع شرطاً جوهرياً للسلام: "سيطرة المؤسسات الشرعية على قرار الحرب والسلام". هي رسالة مزدوجة تدعم الحكومة اللبنانية وفي ذات الوقت تطالب بانسحاب إسرائيلي كامل لضمان عودة النازحين إلى قرى دمرها الاحتلال لجعلها "غير صالحة للحياة".
واستند أبو الغيط في خطابه إلي بمعادلة فلسفية سياسية؛ الأمن لا يوفره السلاح بل السلام القائم على العدل. التحليل الختامي للخطاب يظهر أن "الأمل" الذي يتمسك به العرب بات "بأهداب" رفيعة، في ظل غياب الرؤية لدى القادة الإسرائيليين الذين غرقوا في دوامة العنف.
بين ثنايا الكلمات، كان الخطاب يقول لمجلس الأمن: "لقد نفد الوقت، وبيانات المناشدة لم تعد تجدي نفعاً أمام جرافات الاستيطان وطائرات الإبادة".
الرسالة المبطنة في خطاب أبو الغيط جاءت لتؤكد أن "الالتفاف على حل الدولتين عبر خلق واقع مادي جديد لن يمر مرور الكرام"، وأن التوسع في غزة والضفة سيؤدي لـ "انفجار إقليمي" لا تستطيع إسرائيل احتواء.
يعد هذا الخطاب من أوضح الاعترافات العربية الرسمية بالتعاطي مع "خطة العشرين نقطة" التي طرحها الرئيس ترامب في أكتوبر 2025. و هو يشير أن الجامعة العربية لم ترفض الخطة كلياً، بل طالبت بتنفيذ شقها المتعلق بـ "الانسحاب الكامل" و"إعادة الإعمار"، محذرة من أن إسرائيل تأخذ من الخطة ما يناسبها (نزع السلاح) وتتجاهل ما يلزمها (الانسحاب)
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض





