يعد القطاع العقاري أحد الركائز البنيوية للاقتصاد الوطني المصري، ومخزناً استراتيجياً لثروات ومدخرات الأفراد والمؤسسات على حد سواء. إلا أن استدامة نمو هذا القطاع وقدرته على جذب الاستثمارات تظل رهينة بمدى قوة وكفاءة الأطر التشريعية والإجرائية التي تحكمه. وفي ظل المتغيرات الاقتصادية الراهنة، بات من الضروري الانتقال من الأنماط التقليدية في الإدارة العقارية إلى نموذج "الحوكمة الرقمية الشاملة" التي تضمن الموثوقية التامة وتلغي ثغرات التلاعب القانوني والفني.
ومن الجدير بالذكر، المقترح الذي تقدمتُ به رسمياً إلى السيد وزير الداخلية عبر "البوابة الإلكترونية الموحدة" برقم (11088179) بتاريخ 20 نوفمبر 2025 بشأن مكافحة جرائم النصب العقاري. وامتداداً لهذه المقترحات، فإنني أضع اليوم خارطة طريق لتحقيق الأمان والشفافية في التصرفات العقارية، تهدف إلى إعادة هيكلة العلاقة بين أطراف العملية التعاقدية، بما يضمن حماية المشتري من كافة مخاطر التعاملات العقارية، وأبرزها:
المخاطر التعاقدية والقانونية: مثل النصب وتزوير العقود وسندات الملكية.
المخاطر الزمنية: المتعلقة بتأخير توقيتات التسليم.
المخاطر المالية.
مخاطر الجودة: المتعلقة بسلامة العقار القائم أو المنتج العقاري تحت الإنشاء.
وعلى هذا الأساس، فإن المقترح الذي أطرحه يتجاوز مجرد التوثيق التقليدي ليؤسس لـ "علاقة تعاقدية متعددة الأبعاد" تشمل ستة أطراف على الأقل: (البائع، المشتري، الدولة، البنوك، جهة ضمان الجودة، وشركات التأمين)، تدار جميعها عبر منصة رقمية حكومية موحدة. وتعتمد هذه المنصة دورة عمل تبدأ بالمراجعة الاستباقية للمستندات من قبل الجهات المختصة، وتقترن بآلية "حساب الوساطة البنكي" (Escrow Account)، حيث يتم التحوط مالياً لصالح المشتري بتجميد الثمن حتى إتمام الصفقة، والتحقق من سلامة الأوراق والحالة الإنشائية والفنية للوحدة، وصولاً إلى صدور السند القانوني النهائي والكود الرقمي للعقار. ونؤكد هنا أن هذه المنظومة مصممة لتستوعب كافة عناصر الثروة العقارية، سواء كانت وحدات (سكنية، إدارية، تجارية)، أو أراضي فضاء، أو منشآت مكتملة.
إن هذا التحول الجذري سيؤدي مباشرة إلى اجتثاث ظاهرة النصب العقاري وتعزيز مصداقية التعاملات، مما يحفز انتعاشاً مستداماً في حركة السوق نتيجة استعادة الثقة. كما توفر المنظومة حائط صد منيعاً لمواجهة محاولات غسيل الأموال عبر تتبع التدفقات المالية وربطها بالهويات الرقمية للأطراف، مما يضمن نزاهة القطاع.
ولضمان السلامة الإنشائية، يبرز دور "الطرف الخامس" المتمثل في مكاتب استشارية هندسية معتمدة تتولى الرقابة الفنية ومطابقة المواصفات، بينما يعمل "الطرف السادس" (شركات التأمين) كضامن مالي نهائي يلتزم بدفع تعويضات فورية في حالة وقوع أي خلل، مع الإبقاء على المسؤولية الجنائية قائمة ضد أي طرف يثبت تعمده التزوير أو التلاعب.
وبالنظر إلى الممارسات الدولية، نجد أن العديد من الدول المتقدمة تقر أنظمة تجعل الدولة طرفاً ضامناً لسلامة وشفافية التصرفات العقارية، وحامياً لحقوق المستهلكين من النواحي التعاقدية والمالية والفنية. وعملاً بمبدأ "البدء من حيث انتهى الآخرون"، فإننا ندعو الجهات التنفيذية والبحثية لضرورة إجراء دراسة علمية مقارنة لهذه النماذج العالمية، مع توظيف تقنيات Blockchain التي تتمثل في "سجلات البيانات الرقمية المؤمنة المشتركة وغير القابلة للتلاعب"؛ لضمان توثيق كل حركة بيع أو شراء بأسلوب تقني يمنع التزوير تماماً، وصياغة تشريع عصري يحقق نهضة عقارية شاملة.
إن تطبيق هذه الرؤية سيحول العقار المصري إلى أصل استثماري محصن وآمن، ويصون مقدرات المتعاملين، ويحمي المستهلكين والمواطنين من جرائم النصب أو التحايل أو التصرفات العقارية أو المالية المشوبة بالعوار وما يترتب عليها من نزاعات قضائية طويلة تهدر الحقوق والوقت وتبدد الثقة في سلامة السوق.
*مهندس حسام محرم
سياسي ونقابي مصري،
والمستشار الأسبق لوزير البيئة
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض