حكم نيابة المرأة عن الرجل المريض في العُمرة
من المقرر شرعًا أن نيابة المرأة عن الرجل المريض في العُمرة جائزةٌ شرعًا على ما ذهب إليه جمهور الفقهاء؛ لأن العُمرةَ عبادةٌ تَشتمل على البَدَن والمال، فإذا عَجَز الإنسانُ عن الإتيان بها ببَدَنه، فيجوز له أن يُنيب مَن يقوم بها عنه، من غير اشتراط المساواة بين النائب ومَن ينوب عنه في الذُّكورة والأُنُوثة؛ لذلك يجوز للرجل غير القادر على أداء العُمرة بنَفْسه لمَرَضِهِ أن يَستَنِيبَ أختَه في أدائها عنه، ولا حرج في ذلك شرعًا.
فضل العمرة
تعد العمرة مِن أفضلِ العباداتِ وأنفعِ القُرُباتِ التي يَتقرب بها العبدُ إلى الله تعالى، وقَرَن اللهُ ذِكرَها في كتابه الكريم بالحج الذي هو ركنٌ مِن أركان الإسلام، وأَمْرَ بإتْمَامِها؛ فقال سبحانه: ﴿وَأَتِمُّواْ ٱلۡحَجَّ وَٱلۡعُمۡرَةَ للهِ﴾ [البقرة: 196].
وقد حَثَّ الشرعُ الشريف على أدائها، وجَعَلها سببًا مِن أسباب مغفرة الذنوب؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا» متفق عليه.
بيان مفهوم الإنابة
الإنابة: مشتقة من مادة (نوب)، ونَابَ عنِّي فلانٌ يَنُوبُ نَوْبًا ومَنَابًا؛ أي: قام مَقامي، وناب عني في هذا الأمر نيابةً إذا قام مَقامك؛ كما في "لسان العرب" لجمال الدين ابن منظور (1/ 774، ط. دار صادر).
مشروعية النيابة في الحج والعمرة
مشروعية النيابة في الحج والعمرة ثابتةٌ في السُّنَّة المشرَّفة بما ورد عن أبي رَزِينٍ العُقَيْلِيِّ رضي الله عنه أنَّه أتى النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رَسُولَ الله، إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ، لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ، وَلَا الْعُمْرَةَ، وَلَا الظَّعْنَ، قَالَ: «حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ» أخرجه الأئمة: ابن حبان في "صحيحه"، وأحمد في "مسنده"، والترمذي وابن ماجه والنسائي والبيهقي في "السنن"، والحاكم في "المستدرك"، وقال: "هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ".
ودِلالة الحديث واضحةٌ في جواز النيابة ومشروعيتها في الحج والعُمرة على السواء مِن حيثُ الأصلُ؛ كما في "مرقاة المفاتيح" للملا علي القَارِي (5/ 1751، ط. دار الفكر)، و"شرح المصابيح" لأمين الدين ابن المَلَك الكَرْمَانِي (3/ 247، ط. إدارة الثقافة الإسلامية).
والمريض الذي لا يُرجَى بُرؤه لِكِبَرٍ أو زَمَانَةٍ، العاجزُ عن أداء العُمرة بنفسه، إذا وَجَد مَن يَنُوب عنه، فالمختار للفتوى: جواز النيابة في أداء العُمرة عنه؛ لكونه فاقدًا الاستطاعةَ بنَفْسه لكنه مستطيعٌ بغيره، فالِاستطاعة كما تكُونُ بالنَّفْسِ تكونُ ببذْلِ المالِ وطاعةِ الرِّجَالِ؛ ولهذا يُقَالُ لمَنْ لا يُحْسِنُ البِناءَ: "إنَّك مُسْتَطِيعٌ بِناءَ دارِكَ"، ولأنَّ العُمرة عبادةٌ مَثَلُها مَثَلُ الحجِّ تَجري فيها النيابةُ عند العَجْز لا مُطلقًا، توسطًا بين العبادة الماليَّة المحضة والعبادة البَدَنيَّة المحضة، وهو مذهب الحنفية؛ كما في "فتح القدير" لكمال الدين ابن الهُمَام (2/ 416، ط. دار الفكر)، والشافعية؛ كما في "المجموع" للإمام النووي (7/ 94، ط. دار الفكر)، والحنابلة؛ كما في "شرح منتهى الإرادات" لأبي السعادات البُهُوتِيِّ (1/ 519، ط. عالم الكتب).
الفرق بين نيابة الرجل ونيابة المرأة في العمرة
لا فَرْق في جواز النيابة عن المريض في العُمرة بين أن يَنُوب عنه في ذلك رجلٌ أو امرأةٌ، بل قد جاءت السُّنَّة المشرَّفة بمشروعية نيابة المرأة عن الرجل في أداء النُّسُك نصًّا:
فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: كَانَ الْفَضْلُ رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قال: «نَعَمْ»، وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ. متفق عليه.
فلَولَا أنَّ حجَّها يقع عن أبيها العاجز عن أداء الفريضة بنفسه لَمَا أَمَرَها رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم بالحجِّ عنه.
والحديث وإن كان في نيابة المرأة عن الرجل في الحج، إلا أن الحُكم فيه يَنطبق على العُمرة أيضًا، بل ومِن بابٍ أَوْلَى؛ لأنَّ العُمرةَ تتشابه في جميع أركانها مع الحج، إلا أنَّ الحج يَزيد عليها برُكنِيَّة الوقوف بعرفة، ولهذا سُمِّيَت العُمرة بالحجِّ الأصغر على ما ذهب إليه جمهور الفقهاء؛ كما في "فتح الباري" للحافظ ابن حَجَر العَسْقَلَانِي (8/ 321، ط. دار المعرفة).
وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء مِن الحنفية -وإن كَرِهُوهُ تنزيهًا، قياسًا على ما نصُّوا عليه في الحجِّ مِن مخالفة المرأة للرجلِ في بعضِ أفعاله، كترك الرَّمَل في الطواف والإسراع في السعي، ورَفْع الصوت بالتَّلْبِيَة، والحَلْق، إذ العِلَّةُ جاريةٌ عليها في حال العُمرة كذلك-، والشافعية، والحنابلة، على تفصيلٍ بينهم في شروط النيابة وضوابطها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض