لفت نظر
فى لحظة فارقة من تاريخ الصراع فى الشرق الأوسط، لم يعد البرنامج النووى الإيرانى هو العنوان الأبرز للحرب، بل تراجع إلى الخلفية، بينما صعد مضيق هرمز ليصبح «كلمة السر» الجديدة التى تعيد رسم قواعد الاشتباك طوال سنوات، كان الهدف المعلن لأى مواجهة مع إيران هو كبح برنامجها النووى، لكن الوقائع الميدانية تكشف أن المعركة الحقيقية اليوم تدور حول السيطرة على شريان الطاقة العالمى. فمضيق هرمز، الذى يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية، لم يعد مجرد ممر مائى، بل تحول إلى أداة ضغط استراتيجية بيد طهران.
إيران لم تكتفِ بتهديد الملاحة، بل نجحت فعليا فى تعطيل المرور جزئيا وفرض قواعد جديدة، حيث سمحت فقط للسفن «غير المعادية» بالعبور، واستهدفت سفنا مرتبطة بخصومها، ما أدى إلى تكدس آلاف السفن وارتباك سلاسل الإمداد العالمية، بل إن الأخطر، هو انتقال طهران من سياسة التعطيل إلى سياسة «التحكم الاقتصادى»، عبر التفكير فى فرض رسوم عبور، وهو ما يشبه تحويل المضيق إلى «قناة سويس إيرانية» تدر عوائد مالية وتمنحها اعترافا ضمنيا بالسيادة من خلال «الكارتة الإيرانية» التى أصبحت ورقة تفاوض لا مجرد تصعيد فقط.
المعطيات تشير إلى أن إيران لا تستخدم المضيق كسلاح عسكرى فقط، بل كورقة تفاوض استراتيجية. فالتقارير تكشف أن طهران تربط الدخول فى مفاوضات مع واشنطن بالحصول على حق فرض رسوم على المرور.
هذا التحول يعنى أن إيران لم تعد تدافع فقط، بل تهاجم سياسيا عبر إعادة تعريف قواعد اللعبة: من «حرية الملاحة الدولية» إلى «ملاحة مشروطة بإرادة طهران»، وهنا تكمن خطورة اللحظة: نحن أمام محاولة إيرانية لإعادة كتابة قانون غير مكتوب يحكم أهم ممر بحرى فى العالم.
يدرك دونالد ترامب أن خسارة السيطرة على مضيق هرمز تعنى ضربة مباشرة للنفوذ الأمريكى العالمى. لذلك جاء تصعيده الحاد، مهددا بتدمير البنية التحتية الإيرانية إذا لم يُفتح المضيق بالكامل خلال 48 ساعة، لكن المفارقة أن ترامب، المعروف بسياسة «الصفقات الكبرى»، لا يتحرك فقط فى اتجاه الحرب، بل يلمح إلى اتفاق محتمل مرتبط بالنفط والمضيق وليس بالنووى وهنا يتجلى السؤال الحقيقى:
هل يسعى ترامب إلى إجبار إيران على التراجع؟
أم إلى إعادة تقاسم النفوذ معها عبر صفقة جديدة؟
ويبقى السؤال الأهم: هل يستطيع ترامب تقليم أظافر إيران بالتفاوض؟
الإجابة الواقعية: صعب… لكن ليس مستحيلا.. بشرط تحقق ثلاثة عوامل:
أولًا: ميزان القوة البحرية.. إيران أثبتت قدرتها على تعطيل المضيق باستخدام أدوات غير تقليدية (ألغام، مسيرات، زوارق سريعة)، ما يجعل أى حسم عسكرى مكلفا وغير مضمون.
ثانيًا: الكلفة العالمية.. إغلاق أو حتى تقييد المضيق أدى إلى ارتفاع حاد فى أسعار النفط وتعطل الإمدادات، ما يضغط على واشنطن نفسها قبل غيرها.
ثالثًا: طبيعة الهدف الإيرانى فطهران لا تسعى فقط لفتح المضيق، بل لفرض «نظام جديد» فيه. وهذا هدف لا يمكن انتزاعه بسهولة عبر التفاوض، لأنه يمثل مكسبا استراتيجيا طويل الأمد.
السيناريو الأقرب: لا عودة لما كان، حتى لو نجحت المفاوضات، فمن غير المرجح أن يعود مضيق هرمز إلى وضعه السابق كـ«ممر محايد بالكامل».
الأرجح أننا أمام أحد سيناريوهين: نظام عبور مشروط بإشراف دولى مع دور إيرانى غير مباشر.. أو صفقة كبرى تعترف ضمنيا بنفوذ إيران مقابل ضمانات أمنية، أما العودة إلى «حرية الملاحة الكاملة بلا ثمن»، فهى تبدو اليوم خيارا ضعيفا.
الحرب على إيران لم تعد حربا لمنع قنبلة نووية، بل حربا على من يملك مفتاح الطاقة العالمى.
وإذا كانت واشنطن تريد «تقليم أظافر إيران»، فإن طهران نجحت بالفعل فى تغيير قواعد اللعبة:
لم تعد الدولة المحاصرة… بل تحولت إلى لاعب يفرض شروطه عند بوابة النفط.
السؤال لم يعد: هل تُهزم إيران؟
بل مَن سيتحكم فى مضيق هرمز.. وبأى ثمن؟
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض