رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

صعود نفوذ داخل دوائر القرار الإيراني..

من البراغماتية إلى العقيدة.. كيف تتشكل سياسات إيران الإقليمية؟

الحرب الإيرانية الإسرائيلية
الحرب الإيرانية الإسرائيلية

في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، تتزايد التساؤلات حول طبيعة التفكير داخل دوائر صنع القرار في إيران، خاصة مع بروز أسماء جديدة داخل بنية النفوذ السياسي والديني في طهران. وبينما تحاول الحكومة الإيرانية تقديم خطاب سياسي أكثر براغماتية تجاه المجتمع الدولي، تشير بعض الشهادات الصادرة عن شخصيات منشقة عن النظام إلى وجود تيارات داخلية أكثر تشددًا تسعى إلى توجيه السياسات الإقليمية وفق اعتبارات عقائدية وأيديولوجية.

وتكشف هذه الروايات، التي تظهر بين الحين والآخر من داخل أروقة النظام أو من أشخاص كانوا قريبين من مؤسساته الحساسة، عن تعقيدات بنية الحكم في إيران، حيث يتداخل دور المؤسسات الرسمية مع ما يُعرف بـ"الدولة العميقة" التي تمتلك تأثيرًا واسعًا في الملفات الاستراتيجية، خاصة تلك المتعلقة بالأمن الإقليمي والسياسة الخارجية.

صعود نفوذ داخل دوائر القرار

وفي هذا السياق، أثارت تصريحات أحد المنشقين عن فيلق القدس الإيراني حالة من الجدل، بعد حديثه عن الدور المتنامي الذي يلعبه مجتبى خامنئي، نجل المرشد الإيراني علي خامنئي، داخل بعض مراكز النفوذ غير الرسمية في النظام.

وقال المنشق، الذي أشار إلى أنه كان زميلًا دراسيًا لمجتبى خامنئي، إن الأخير يُنظر إليه داخل بعض الدوائر المقربة من السلطة باعتباره أحد أبرز مراكز التأثير في صناعة القرار، بل وواحدًا من الشخصيات التي تقود ما يصفه البعض بـ"الدولة العميقة" في إيران.

وأوضح أن نفوذ مجتبى خامنئي يتجاوز الأطر السياسية التقليدية، حيث يرتبط بحسب روايته بدوائر عقائدية تتبنى رؤية أكثر تشددًا في التعامل مع الملفات الإقليمية والعسكرية، وهو ما ينعكس على طبيعة السياسات التي تتبناها بعض المؤسسات المرتبطة بالحرس الثوري.

تصور عقائدي للصراع

وأشار المنشق إلى أن بعض التيارات داخل النظام الإيراني تنظر إلى التحولات السياسية والعسكرية في المنطقة من منظور عقائدي يرتبط بروايات دينية تتعلق بمرحلة "آخر الزمان"، وهو ما يدفعها إلى تبني سياسات توسعية في عدد من ساحات الشرق الأوسط.

ووفقًا لهذه الرواية، فإن هذا التيار يرى أن التمدد الإقليمي لإيران يمثل جزءًا من تصور أوسع يرتبط بتحولات تاريخية كبرى، حيث يتم الربط بين التطورات الجيوسياسية في المنطقة وبين سرديات دينية تتعلق بظهور المهدي المنتظر.

كما أشار المنشق إلى أن بعض الأدبيات المتداولة داخل هذه الدوائر تربط بين شخصيات قيادية داخل النظام وبين رموز وردت في تلك الروايات، وهو ما يمنح المشروع السياسي بعدًا رمزيًا يتجاوز الحسابات السياسية التقليدية.

محدودية انتشار هذه الأفكار

ورغم هذه الروايات، أكد المنشق أن هذه الأفكار لا تحظى بقبول واسع داخل المجتمع الإيراني أو حتى داخل مؤسسات الدولة المختلفة، موضحًا أن الكثير من القيادات السياسية والعسكرية في طهران تتبنى مقاربات أكثر واقعية وبراغماتية في التعامل مع التحديات الإقليمية.

وأشار إلى أن هذا التيار العقائدي يظل محصورًا في دائرة ضيقة من مراكز النفوذ التي تمتلك تأثيرًا كبيرًا في القرار الاستراتيجي، وهو ما يثير مخاوف بعض المراقبين من احتمال انعكاس هذه الرؤية على طبيعة الصراعات في المنطقة.

خطاب براغماتي للحكومة

في المقابل، تحاول الحكومة الإيرانية تقديم خطاب سياسي مختلف يميل إلى البراغماتية، حيث أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن إنهاء حالة التصعيد في المنطقة يتطلب الاعتراف بما وصفه بالحقوق المشروعة لإيران، مشددًا على ضرورة توفير ضمانات دولية تحول دون تكرار أي اعتداءات على بلاده.

ويعكس هذا الخطاب، بحسب مراقبين، محاولة من المؤسسة التنفيذية في إيران للحفاظ على قنوات التواصل مع المجتمع الدولي، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة التي يواجهها الاقتصاد الإيراني.

ازدواجية في بنية القرار

ومن جانبه، يرى الدكتور أحمد يحيى، المحلل السياسي والاستراتيجي، أن طبيعة صنع القرار في إيران أصبحت أكثر تعقيدًا خلال السنوات الأخيرة، في ظل ما وصفه بوجود ازدواجية واضحة بين دوائر النفوذ العقائدية داخل النظام وبين المؤسسات التنفيذية التي تحاول إدارة العلاقات الخارجية وفق اعتبارات سياسية واقتصادية.

وأوضح يحيى أن بنية الحكم في إيران تكشف عن مسارين متوازيين؛ الأول تقوده دوائر مرتبطة بالمؤسسة الدينية ومراكز القوة غير الرسمية، والتي تتحرك وفق اعتبارات أيديولوجية تتجاوز الحسابات السياسية التقليدية، بينما يمثل المسار الثاني تيارًا أكثر براغماتية داخل المؤسسة التنفيذية يسعى إلى تقليل حدة التوترات الخارجية والحفاظ على استقرار الأوضاع الداخلية.

وأشار إلى أن تصاعد الحديث عن دور مجتبى خامنئي داخل بعض مراكز النفوذ يعكس تحولات لافتة في طبيعة التفكير داخل النظام، حيث تتجه بعض التيارات إلى توظيف الرمزية الدينية في صياغة السياسات الإقليمية، وهو ما قد يضيف بعدًا عقائديًا إلى الحسابات الجيوسياسية التقليدية.

تأثيرات محتملة على الداخل الإيراني

وأضاف يحيى أن هذا التباين في الرؤى قد ينعكس على التوازنات داخل إيران، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المجتمع، ما قد يخلق فجوة بين أولويات بعض دوائر القرار وبين تطلعات الشارع الإيراني.

كما حذر من أن تغليب الرؤية العقائدية على الحسابات السياسية قد يؤدي إلى زيادة مستوى التوتر في الإقليم، خاصة إذا تحولت بعض الأذرع الإقليمية المرتبطة بطهران إلى أدوات أكثر فاعلية في الصراع الجيوسياسي مع القوى الإقليمية الأخرى.

واختتم المحلل السياسي حديثه بالتأكيد على أن مستقبل السياسة الإيرانية سيظل مرتبطًا بدرجة كبيرة بطبيعة التوازنات داخل النظام نفسه، بين تيار يسعى إلى الحفاظ على منطق الدولة البراغماتية، وآخر يميل إلى ترسيخ مشروع عقائدي عابر للحدود، وهو صراع قد يحدد ملامح الدور الإيراني في المنطقة خلال السنوات المقبلة.