رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

د. هنيدي عبد الجواد يكتب: الصوم مدرسة الإخلاص

الدكتور هنيدي عبد
الدكتور هنيدي عبد الجواد

لم يفرض الصوم لحرمان المؤمنين من ملذات الدنيا فحسب، وإنما فرض لتربيتهم، وتهذيب سلوكهم، وترقيق قلوبهم، وتخليصها من الشوائب والأمراض القلبية المهلكة لأصحابها، والمبطلة لما يقع منها من أقوال أو أفعال أو عبادات؛ إذ إن إخلاص القلوب، وقصد توجهها إلى مالكها توجها كاملا، لا رياء فيه ولا شبهة، شرط قبولها والإثابة عليها بالنعيم المقيم. 

قال تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} [البينة: 5]، وفي حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». [صحيح مسلم 4/1987].

وإذا كانت الأعمال الظاهرة قد يدخلها الرياء والنفاق ابتغاء ملذات الدنيا وأهوائها، فإن الصيام سر بين العبد وربه، لا يطلع عليه أحد إلا المولى عز وجل؛ ولذلك نسبه إلى نفسه دون سائر العبادات، كما في حديث أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما، قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل يقول: إن الصوم لي وأنا أجزي به». [صحيح مسلم 2/807].

ومن ثم، فإنه يغرس في نفس العبد مراقبة الله عز وجل في السر والعلن، وفي الظهور والخفاء، ليكون حائلا دون وقوعه فيما يغضب الله من معاص وآثام؛ وهذه أرقى درجات الإيمان، وأشرفها وأعلاها، حيث يبلغ المؤمن درجة الإحسان، كما في الحديث: «فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». [صحيح مسلم  (1/37)].

ولهذا المعنى العميق غرس لقمان في قلب ولده مراقبة الله في كل قول وفعل، سرا وعلانية، فقال تعالى: {يابني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير} [لقمان: 16]؛ أي: إن الله يعلمها، فهو يعلم السر وأخفى، ويجازي العبد عليها.

الإخلاص في العبادات والقربات من سمات الأبرار المتقين

والإخلاص في العبادات والقربات من سمات الأبرار المتقين، الحريصين على عمل الطاعات ابتغاء وجه الله ومرضاته، ومن ذلك: إطعام المساكين والفقراء والأيتام، كما قال تعالى: {ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا * إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا} [الإنسان: 8، 9]، وكذلك تقديم النصح للآخرين، وحثهم على مساعدة المحتاجين، وقضاء حوائج الناس، وإدخال السرور عليهم، والإصلاح بينهم، قال تعالى: {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما} [النساء: 114].

وفي المقابل، فإن الوقوع في الرياء ابتغاء أغراض دنيوية، كالفخر والخيلاء والمن والأذى، يبطل العبادات ويضيع ثوابها، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر} [البقرة: 264].

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد…» إلى آخر الحديث الطويل المشهور، وفيه بيان عظيم الخطر المترتب على فقدان الإخلاص في العمل، وأن العمل إذا لم يكن خالصا لله تعالى، كان وبالا على صاحبه. [صحيح مسلم  (3/1513)].

وخلاصة القول: إن الصوم مدرسة عملية لتزكية النفوس، وترسيخ الإخلاص، وتعميق مقام المراقبة، حتى يكون العبد في عبادته ومعاملاته على بصيرة من ربه، صادق القصد، نقي السريرة، فينال القبول في الدنيا، والجزاء الأوفى في الآخرة.

د. هنيدي عبد الجواد عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر وعضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية