أعلن العراق رسميًا أمس وجود قوات عسكرية أجنبية تهبط في الصحراء الواقعة بين كربلاء والنجف، وهو إعلان بالغ الخطورة في توقيته ودلالاته. وأفاد البيان الرسمي بمقتل جندي عراقي وإصابة اثنين آخرين أثناء قيامهم بعملية استطلاع للتحقق من هوية تلك القوات غير المعلنة.
هذا الخبر لا يمكن قراءته كحادثة عابرة، بل يشير بوضوح إلى أن الولايات المتحدة قد لجأت إلى إدخال عناصر مرتزقة إلى الأراضي العراقية، سواء من بعض الفصائل الكردية أو من جماعات تدّعي الجهاد تحت غطاء طائفي.
وعند النظر إلى الجغرافيا، تتضح أبعاد الصورة أكثر؛ فالمسافة بين كربلاء وحدود إيران لا تتجاوز 300 كيلومتر تقريبًا، وهي مسافة يمكن قطعها في أقل من أربع ساعات فقط، ما يجعل المنطقة نقطة انطلاق مثالية لأي تحرك يهدف إلى إشعال توتر إقليمي طائفي وحرب أهلية واسعة.
من المؤكد أن الهدف الحقيقي لمثل هذه التحركات هو محاولة إشعال صراع طائفي جديد بين السنة والشيعة داخل العراق وإيران ثم سوريا
، بينما يبقى الدافع الأساسي لهؤلاء المرتزقة هو المال، وليس أي قضية أو عقيدة.
لكن هذا المخطط مرشح للفشل. والسبب بسيط: ذاكرة الشعوب لا تُمحى بسهولة. فالعراق وإيران خاضا حربًا طاحنة استمرت سنوات طويلة خلال ثمانينيات القرن الماضي، وهي الحرب المعروفة باسم الحرب العراقية الإيرانية، والتي خلّفت خسائر بشرية قُدّرت بمليون قتيل ومئات آلاف الجرحى، إضافة إلى خسائر مادية تجاوزت تريليون دولار خلال ثماني سنوات من الحرب التي توقفت عام 1988.
كانت تلك الحرب نتيجة تخطيط استراتيجي بارع من الولايات المتحدة وإسرائيل، وكلاهما ساعد الطرفين بشكل علني وسري حتى تستمر الحرب لأطول فترة ممكنة بهدف إضعاف الطرفين ثم التخلص منهما ونشر الفوضى بما يسهل قيام إسرائيل الكبرى. ويمكن القول إن هذه الحرب كانت أهم خطوة نحو هذا المشروع، وكانت من توابعها تأسيس القواعد الأمريكية ومراكز المخابرات الصهيو-أمريكية في دول الخليج تحت غطاء توفير الحماية لدول الخليج.
وهنا تكمن العبرة التي يجب أن يتوقف عندها بعض المتشددين من السنة الذين يترقبون اليوم سقوط إيران ويتمنون لها نهاية سيئة على يد التحالف الأمريكي الإسرائيلي.
ولماذا يأتي هذا السيناريو في ذلك التوقيت الصعب على تحالف ترامب ونتنياهو بعد الخسائر الفادحة لهما في الأسبوع الأول من المعركة ضد إيران؟
فقد تم تدمير القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج، وقتل عناصر من المخابرات الأمريكية في الفنادق التي تعرضت لاحقًا للقصف في الإمارات. كما أغلقت الولايات المتحدة سفاراتها في الكويت والبحرين ولبنان والأردن وقطر والسعودية. وتم تدمير بنية الطاقة التي تزود القوات الأمريكية بالوقود في الخليج، إضافة إلى تدمير الرادارات الأمريكية ذات التكنولوجيا الفائقة، وهو ما ترتب عليه إصابة الجيش الأمريكي بحالة من العمى العملياتي.
والعالم كله شاهد سقوط أربع طائرات F-15 أمريكية في المعارك، في سابقة غير معهودة. وفي الوقت نفسه، حصدت صواريخ إيران أهدافًا خطيرة في إسرائيل، من بينها مقر وزارة الدفاع وأجهزة المخابرات ومراكز الطاقة، وأخيرًا ضرب البنية الرقمية العسكرية المرتبطة بمنظومة الدفاع الأمريكية الإسرائيلية، وهي من أهم عناصر الأمن السيبراني التي تغذي حربهما على إيران، وذلك بعد استهداف مقر شركة Microsoft أمس.
خسائر تعكس بوضوح غياب التخطيط وتزايد اليأس، مع ارتفاع أسعار النفط إلى مستوى 80 دولارًا، والغاز إلى مستوى قياسي بعد توقف حقول قطر، وهبوط الأسواق المالية في الولايات المتحدة.
وقد أجبر ذلك واشنطن على منح الهند إعفاءً لمدة 30 يومًا لشراء النفط الروسي وإعادة بيعه بعد أن عطلت حرب إيران إمدادات الطاقة العالمية. ويعد ذلك انكسارًا استراتيجيًا منح روسيا النصر في حربها على أوروبا، التي لا شك أنها الأخرى تسير الآن في طريق المفاوضات مع موسكو وتقديم تنازلات مؤلمة في الملف الأوكراني.
وفي الوقت نفسه تعلن شبكة إيه بي سي عن مصدر في الرئاسة الأوكرانية: أن ترامب الذي اذل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في البيت الأبيض في فبراير 2025
ورفض إعطائه سلاح حتي يستمر في الحرب ضد روسيا
الآن يجري محادثات مع كييف لشراء طائرات اعتراضية مسيرة أوكرانية بعد ان أوشك مخزون السلاح الأمريكي علي النفاذ في الأسبوع الأول من الحرب علي إيران..
في الواقع تتعرض إسرائيل والولايات المتحدة لهزيمة ساحقة في الوقت الراهن. ويحمل هذا الصراع كل سمات الحرب التي قد تنهي الإمبراطورية الأمريكية بشكل نهائي. ويحاول ترامب يائسًا الآن صياغة رواية جديدة بعد فشل سيناريو اغتيال المرشد ثم الانقلاب الداخلي، بما كان يعني نهاية سريعة للحرب.
فكان الانتقال إلى سيناريو آخر: وهو جرّ مزيد من الدول العربية إلى الصراع، وهو إجراء لم يحقق أي نجاح حتى الآن، بعد رفض دول الخليج الانخراط في الحرب ضد إيران رغم تعرضها للقصف.
وما أثار غضب الأمريكيين أكثر عندما أعلنت دول الخليج أنها سوف تسحب جزءًا من استثماراتها من الأسواق الأمريكية لمواجهة تكاليف وتداعيات الحرب على اقتصاداتها، وهو ما قد يعني سحب ما يقارب تريليونًا ونصف تريليون دولار على الأقل، الأمر الذي قد يشكل انتكاسة كبرى لاقتصاد الولايات المتحدة الغارق في ديون تتجاوز 38 تريليون دولار، في وقت يتعين عليه أيضًا دفع نحو 100 مليار دولار شهريًا لتمويل الحرب ضد إيران.
لذلك كانت إحدى الحيل التي فكرت فيها أجهزة المخابرات الأمريكية والإسرائيلية للخروج من هذا المأزق سريعًا، ونقل جزء من فاتورة تمويل الحرب إلى دول الخليج، هي إشعال الصراع السني الشيعي حتى تنحاز أنظمة الخليج لها وتنخرط في الحرب بدعم شعبي.
وفي هذا الإطار جاء الإنزال البري في المنطقة الواقعة بين النجف وكربلاء الذي اكتُشف أمس بعد مقتل عدد من جنود الجيش العراقي.
ولكن هل ستنجح الخطة الأمريكية الإسرائيلية؟
لقد أثبت الواقع أن الولايات المتحدة لم تفرّق يومًا عندما أُعدم الزعيم السني صدام حسين عام 2006.
التاريخ في هذه المنطقة يكرر دروسه القاسية لمن لا يتعلمون منه؛ فالنار التي تُشعل لإحراق من يختلف معك مذهبيًا قد تمتد في النهاية لتحرق الجميع. لقد دفعت شعوب العراق وإيران ثمنًا باهظًا خلال الحرب العراقية الإيرانية، وما زالت جراح تلك السنوات شاهدة على عبثية الصراعات التي تُدار من خلف البحار.
إن من يراهن اليوم على إشعال فتنة جديدة في هذه الأرض يظن أن الذاكرة قد ماتت، وأن الشعوب قد نسيت دروس الدم والخراب. لكن الحقيقة أن الشعوب قد تُخدع مرة، ولكن هذه المرة تدرك جيدًا من يدفعها إلى الحروب الطائفية ومن يجني أرباحها.
ايران هي حجر الزاوية" في هذا الصراع يعني سقوطها تحويل المنطقة برمتها إلى "كانتونات" ممزقة تخدم مشروع "إسرائيل الكبرى" من النيل إلى الفرات. كما أعلن السفير الأمريكي في إسرائيل ذلك منذ ايام
أن المعركة الدائرة ليست معركة نفوذ مذهبي ، بل هي معركة وجود للهوية الشرقية بأكملها.
فالحرب التي بدأت باغتيال المرشد الإيراني غايتها النهائية تجريد القاهرة من ثقلها، والرياض من مكانتها، وأنقرة من طموحها.
التاريخ لا يرحم الغافلين
فإما نجاة جماعية بوحدة الموقف والمصير، وإما سقوط مروع
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض