تأملات
ربما يحمل عنوان هذا المقال وجهتى نظر تبدو متعارضتين، الأولى الشماتة فى إيران باعتبارها وصلت لمرحلة من الضعف جعلتها فريسة على مائدة اللئام، والثانية التعاطف معها ما يرتقى لوصف ما يحدث معها لمرحلة المؤامرة من قبل آخرين.. هما الولايات المتحدة وإسرائيل بشكل أساسى.
بعيدًا عن هذا وذاك، فإن النظرة المجردة لما وصلت إليه الأزمة حتى الآن تتيح لنا استخلاص العديد من الدروس والعبر.
من هذه الدروس أن الخطط والمشروعات الإسرائيلية بدءًا من تأسيس الدولة العبرية وليس انتهاء بالنيل من إيران طويلة الأمد وتبذل جهودًا «مخلصة ودءوبة» من أجل تحقيقها، حيث إن المتابع لتلك السياسة يدرك أن القضاء على نظام الحكم الإسلامى فى إيران احتل أولوية فى السياسة الإسرائيلية عامة، وأن التخلص من برنامجها النووى كان فى مقدمة فكر نتنياهو إلى أن حانت الفرصة أو تم تحيينها بتولى شخصية مثل ترامب الحكم لتحقيق هذا الهدف، حتى أن كافة التحليلات تكاد أن تجمع على أن الولايات المتحدة فى الحرب الجارية حاليًا ضد إيران تقوم بها بالوكالة عن إسرائيل وليس العكس، كما هو معهود ومقدر كوظيفة للدولة العبرية.
يفرض ذلك بالتأكيد حالة من الحذر واليقظة تجاه مثل هذه المشروعات وعدم التهوين من شأنها على غرار خطة تهجير الفلسطينيين وغيرها من الخطط المتعلقة بوضع إسرائيل فى قلب الشرق الأوسط ككل.
من ناحية ثانية، فإن الحرب على إيران تعزز الكشف عن زيف الدعاوى المتعلقة بالعديد من القيم الغربية كحقوق الإنسان ونشر الديمقراطية التى يتم الترويج لها وتشير إلى أنها تستخدم كأداة سياسية ليس إلا، حيث ترتبط المواقف الأمريكية مثلًا من هذه القضايا بطبيعة العلاقة مع الدولة المستهدفة وليس أدل على ذلك من دول تنتهك فيها هذه الحقوق وعلاقاتها على أفضل ما يكون.. بما يجعل منها دعاوى فارغة خالية من المضمون الحقيقى.
ويتعلق بهذا الجانب القضية المتعلقة بإسقاط أو تغيير النظام الإيرانى، وإذا كنا فى واقعنا المصرى والعربى قد اعتدنا على عبارة الشعب يريد إسقاط النظام، فمن عجب أن يتحول الأمر فى المنظور الأمريكى لعبارة ترامب يريد إسقاط النظام «الإيراني»!. ومن المتصور أن التوسع فى هذا التوجه والذى بدا بعملية اختطاف مادورو رئيس فنزويلا، مرورًا بالحرب على إيران، وليس انتهاء بمساعى الاستحواذ على كوبا سيعزز نشر الفوضى فى النظام الدولى على نحو يصبح معه على ما نصفه بـ«اللا نظام الدولي»!
على مستوانا العربى فإن وصول الوضع إلى ما هو عليه الآن يكشف عن قصور فى رؤيتنا للأمور، وهو قصور ما زال للأسف قائماً، ويتمثل فى اعتبار إيران وقد كان خطرًا محتملًا هو العدو، فى ذات الوقت النظر لإسرائيل وهو الخطر المؤكد كما أشرنا قبلًا فى كتابات سابقة هى الصديق. ربما يرى البعض فيما يحدث من هجمات على دول الخليج، وهو أمر يسود الجدل بشأن مدى منطقيته، تأكيدًا لرؤيتهم غير أنه فى تصورنا يمثل ما يمكن اعتباره التحقق الذاتى للنبوءة.
وأخيرًا ورغم احتدام الضربات المتبادلة بين أمريكا وإسرائيل من ناحية وإيران من ناحية أخرى بشكل ربما لم تتوقعه إدارة ترامب أو حتى نتنياهو، إلا أن منطق الأمور يشير إلى أن الكفة فى النهاية ربما ستكون راجحة لصالح المعسكر الأول بغض النظر عن مدى الوحل الذى ستجد الدولتان نفسيهما فيه، رغم كل التمنيات باندحار المشروع الأمريكى الصهيونى على أعتاب طهران.. ولكن المشهد للأسف يفرض استدعاء حديث القصعة والتداعى عليها. وللحديث بقية.
[email protected]
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض