ثوابت الموقف المصري وتحركات نشطة
المنطقة بين نار التصعيد وأمل التسوية.. هل يفرض الميدان شروط التفاوض؟
في مشهد إقليمي بالغ التعقيد، تتداخل الحسابات العسكرية مع رهانات السياسة، ليبدو الصراع بين إيران والولايات المتحدة وكأنه اختبار جديد لقدرة المنطقة على تجنب الانزلاق نحو مواجهة شاملة، فالتصعيد الميداني، رغم حدته، لا يعني بالضرورة انسداد الأفق السياسي، بل قد يكون كما جرت العادة في أزمات كبرى سابقة ـ وسيلة ضغط لإعادة تشكيل شروط التفاوض.
ورغم ضجيج التصريحات وتحركات القطع العسكرية، فإن قراءة أكثر عمقًا تشير إلى أن ما يجري قد يمثل امتدادًا خشنًا لمسار دبلوماسي لم ينقطع بالكامل، فالتاريخ الحديث يبرهن أن ساحات القتال كثيرًا ما تمهد لطاولات الحوار، وأن الرسائل النارية قد تحمل في جوهرها حسابات تفاوضية دقيقة، لا رغبة مفتوحة في الحرب.
مرحلة انتقالية دقيقة:
المؤشرات الراهنة توحي بأن المنطقة تقف على أعتاب مرحلة انتقالية شديدة الحساسية؛ فإما أن تُدار الأزمة بحكمة فتُفضي إلى تسوية سياسية خلال فترة وجيزة، أو تتدحرج نحو مسار استنزاف طويل يفاقم هشاشة الإقليم. وتتصاعد في هذا السياق جهود إقليمية ودولية مكثفة لاحتواء التصعيد ومنع توسعه.
ومن جانبه، يرى السفير محمد حجازي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن المشهد العسكري القائم لا ينفصل عن مسار التفاوض، بل يمثل امتدادًا له بأدوات ميدانية، موضحا أن الضغوط الحالية تهدف إلى إعادة ترتيب أوراق الحوار، بحيث تعود الأطراف إلى الطاولة ضمن «حزمة تفاوضية شاملة» لا تقتصر على الملف النووي وحده.
ثوابت الموقف المصري وتحركات نشطة:
وأكد حجازي أن ثوابت الموقف المصري، التي أعلنها الرئيس عبد الفتاح السيسي، تقوم على دعم أمن واستقرار دول الخليج العربي ورفض أي اعتداء عليها، مشددًا على أن القاهرة تضطلع بدور متوازن لتقريب وجهات النظر ومنع الانزلاق إلى صراع مفتوح.
وأوضح أن التحركات التي يقودها وزير الخارجية بدر عبد العاطي، عبر اتصالات مكثفة مع مختلف الأطراف، تعكس إدراكًا دقيقًا لخطورة المرحلة، وحرصًا على تثبيت مسار سياسي موازٍ للتطورات الميدانية.
من النووي إلى الصواريخ والأذرع الإقليمية:
وأشار حجازي إلى أن جولات التفاوض التي استضافتها سلطنة عمان وجنيف كانت قد أحرزت تقدمًا ملحوظًا في الملف النووي الإيراني، غير أن هواجس إسرائيل تمحورت حول ملفين إضافيين: برنامج الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، ونفوذ الجماعات المرتبطة بطهران في عدد من ساحات الإقليم.
وأضاف أن السماح بهامش من التحرك العسكري قد يكون جزءًا من محاولة استكمال عناصر «الحزمة التفاوضية»، بحيث تعود الأطراف إلى الحوار بضمانات أوسع تشمل مختلف مصادر القلق الإقليمي.
استبعاد تغيير النظام وتجنب الاستنزاف:
وفيما يتعلق باحتمالات التصعيد، استبعد حجازي سيناريو تغيير النظام الإيراني، معتبرًا أن هذا الخيار ينطوي على مخاطر إقليمية جسيمة، وقد يفتح الباب أمام فوضى واسعة يصعب احتواؤها.
كما أشار إلى أن التصريحات الأمريكية الأخيرة توحي برغبة في إعادة صياغة المعادلة السياسية دون التورط في حرب طويلة ومكلفة.
نحو إطار تفاوضي بضمانات دولية:
ويرى حجازي أن التحركات الدبلوماسية التي تقودها مصر وسلطنة عمان، بالتوازي مع نقاشات مجلس الأمن، قد تمهد لإطار تفاوضي جديد بضمانات دولية، يراعي المخاوف الأمنية لجميع الأطراف، ويفتح الباب أمام مرحلة أكثر استقرارًا.
وشدد على أن الدور الذي يلعبه الرئيس السيسي والدبلوماسية المصرية يتسم بالواقعية والمصداقية، وهو ما يعزز فرص نجاح أي مسار تفاوضي قادم، خاصة في ظل حاجة الشرق الأوسط إلى مقاربة مختلفة تقوم على التعاون بدلًا من الصدام.
واختتم بالتأكيد على أن المنطقة في أمسّ الحاجة إلى تدشين منظومة للأمن والتعاون الإقليمي، على غرار التجربة الأوروبية، باعتبارها الضمانة الوحيدة لتفادي دوامات التصعيد المتكررة، وبناء إطار دائم للاستقرار يمنع تكرار سيناريوهات الانفجار كلما تعثرت المفاوضات.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض