السفير محمد حجازي: شلل البرنامج النووي الإيراني طموح سياسي لا واقع عملياتي
صرّح السفير محمد حجازي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، بأن الضربات الأخيرة ضد إيران تثير جملةً من الأسئلة الاستراتيجية التي تتجاوز بعدها العسكري المباشر إلى أبعاد سياسية وإقليمية وقانونية أوسع، فالسؤال الأساسي لا يتعلق فقط بمدى دقة الأهداف أو حجم الخسائر، بل بطبيعة الغاية الكامنة وراء العملية: هل المقصود إعادة تشكيل سلوك إيراني محدد، أم الدفع نحو تغيير جذري في بنية النظام ذاته؟
وأضاف في تصريح خاص لـ"الوفد"، أن القراءة الواقعية لموازين القوى تشير إلى أن كلفة تغيير النظام في دولة بحجم إيران، بتعقيداتها المؤسسية وتماسك بنيتها الأمنية وامتدادها الإقليمي، تفوق بكثير أي مكاسب محتملة، وهو ما يجعل سيناريو «تعديل السلوك» القسري أكثر ترجيحًا من مشروع إسقاط شامل للنظام، فغالبًا ما تسعى مثل هذه العمليات إلى فرض كلفة استراتيجية، وإعادة ضبط معادلات الردع، وإبطاء مسارات معينة دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة لا يمكن التحكم في تداعياتها.
وأوضح أنه على مستوى البرنامج النووي، فإن أي ضربة عسكرية – مهما بلغت دقتها – لا تستطيع محو المعرفة التقنية أو البنية البشرية التي تراكمت عبر سنوات. فالمنشآت قد تتعرض لأضرار جسيمة، وقد يتباطأ مسار التخصيب أو تتعطل قدرات إنتاجية لفترة زمنية، لكن الحديث عن شلل كامل ودائم يظل أقرب إلى الطموح السياسي منه إلى الواقع العملياتي. والأمر ذاته ينطبق على برنامج الصواريخ الباليستية، الذي يتميز بتوزع جغرافي واسع، وبنية تحتية محصنة، ومنصات متحركة تقلل من فاعلية الضربات التقليدية.
وعليه، فإن أقصى ما يمكن تحقيقه هو إرجاء زمني للقدرات لا إلغاؤها، ما لم تترافق العمليات العسكرية مع مسار سياسي وأمني طويل الأمد يعيد صياغة البيئة الاستراتيجية المحيطة.
وذكر أن الانعكاسات الإقليمية بدورها لا تقل تعقيدًا، فنفوذ إيران في الإقليم لا يقوم فقط على قدراتها الوطنية، بل على شبكة من التحالفات والأذرع غير المتماثلة، تشمل أطرافًا مثل حزب الله والحوثيين، إضافة إلى فصائل أخرى في ساحات متعددة، وهذه الشبكات تمتلك درجة من الاستقلال العملياتي، ما يمنح طهران قدرة على المناورة غير المباشرة.
ومن ثم، فإن الضربات قد تدفع إلى تصعيد بالوكالة يهدف إلى إعادة التوازن ورفع كلفة الاستهداف، أو إلى احتواء محسوب لتجنب توسع المواجهة.
وقد يهتز النفوذ تكتيكيًا، لكنه لا ينهار بسهولة، لأنه متجذر في معادلات سياسية واجتماعية معقدة داخل تلك الساحات.
وأضاف أن البعد الاقتصادي، ولا سيما أسواق الطاقة، يُعد الأكثر حساسية لأي تصعيد ممتد، حيث يشكل مضيق هرمز شريانًا حيويًا يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، وأي تهديد لحركة الملاحة فيه ينعكس فورًا على الأسعار وكلفة التأمين وسلاسل الإمداد. غير أن الإغلاق الكامل للمضيق يمثل خيارًا عالي المخاطر، لأنه قد يستجلب تدخلًا دوليًا مباشرًا، كما يضر بالمصالح الاقتصادية الإيرانية ذاتها التي تمر صادراتها عبره.
لذلك، قد يكون التلويح بالتصعيد أداة ضغط أكثر من كونه خيارًا استراتيجيًا مستدامًا، مع بقاء الأسواق رهينة لحسابات المخاطر الجيوسياسية.
ويؤكد السفير حجازي أن المرحلة الراهنة لا تبدو مرحلة حسم عسكري بقدر ما هي محاولة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك وفرض توازن ردع جديد. فالضربات قد تؤخر برامج وتعيد ترتيب حسابات، لكنها لا تلغي حقائق الجغرافيا السياسية ولا تنهي شبكات النفوذ المتداخلة.
ويكمن التحدي الأكبر في منع التحول من ردع محدود إلى حرب استنزاف مفتوحة، لأن مثل هذا المسار لن يعيد تشكيل سلوك طرف واحد فحسب، بل سيعيد رسم معادلات الاستقرار في الإقليم بأسره.
وعليه، فإن الضربة – على الأرجح – تستهدف تعديل السلوك لا تغيير النظام، كما أن التأثير على البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين مرجح أن يكون مؤقتًا لا حاسمًا، وأن النفوذ الإقليمي لإيران قد يتعرض لاهتزاز تكتيكي دون انهيار بنيوي، نظرًا لتجذره في المجتمعات الشيعية في عدد من دول المنطقة، فيما ستكون أسواق الطاقة من أول المتأثرين في حال التصعيد الممتد.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض







