الإصدار الحادي والأربين من سلسلة زاد الأئمة والخطباء "أيام الله في رمضان"
كشفت وزارة الأوقاف المصرية، عبر منصتها الرقمية، عن الإصدار الحادي والأربعون من سلسلة زاد الأئمة والخطباء، والذي يأتي بعنوان: أيام الله في رمضان.
سلسلة زاد الأئمة والخطباء بشهر رمضان
وأوضحت الأوقاف أن الهدف المراد توصيله هو التوعية بأن شهر رمضان شهر الجد والنشاط والعمل وهو شهر الانتصارات كالعاشر من رمضان وبدر وعين جالوت، وهى كالتالي:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فما من شك أن رمضان ليس زمنًا عابرًا في تقويم الأيام، ولا محطةً موسميةً تُؤدَّى فيها الطقوس ثم تنقضي؛ بل هو مدرسة الانتصار الكبرى، حيث تُختبر الإرادات، وتُصقل النفوس، وتُصاغ العزائم صياغةً ربانية، فيه تتجلى حقيقة الصراع بين الروح والجسد، وبين الحق والباطل، وبين الإنسان ونفسه الأمّارة؛ فإذا انتصر المرء على هواه، هان عليه أن ينتصر على عدوه.
ولم يكن اقتران أعظم الفتوح والانتصارات الإسلامية وأيام الله الكبرى بشهر رمضان مصادفةً تاريخية، بل كان شاهدًا على أن هذا الشهر يُخرِّج رجالًا تحرروا من سلطان الشهوة، فصاروا أقدر على تحطيم سلطان الطغيان.
رمضان شهر الانتصار على النفس:
إن خير انتصار يحققه المسلم في شهر رمضان أن ينتصر على شيطانه ونفسه الأمارة بالسوء؛ فيُرَوِّضها ويُهَذِّبها على قبول الخير وما فيه من النفع في العاجل والآجل، ويقلع عن الشهوات، والعادات السيئة، فيكون ممن فاز وسعد، قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ مَنْ غَلَبَ النَّاس إِنَّمَا الشَّدِيدُ مَنْ غَلَبَ نَفْسَه» [رواه ابن حبان].
وعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمٌ غُزَاةٌ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَدِمْتُمْ خَيْرَ مَقْدَمٍ مِنَ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ»، قَالُوا: وَمَا الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ؟ قَالَ: «مُجَاهَدَةُ الْعَبْدِ هَوَاهُ» [رواه البيهقي في "الزهد الكبير"].
إن الناظر في حكمة الصيام وفلسفته يدرك يقينًا أنه ليس "إجازةً" من الحياة، بل هو دورةٌ مكثفة لاستعادة الإحكام على الجوارح، فمن استطاع أن يُحكم لجام شهواته خلف جدران الصوم، هو الأقدر على قيادة دفَّة العمل والإبداع في ميادين الحياة.
رمضان سجل حافل بالانتصارات:
المتأمل في تاريخ أمة الإسلام يدرك أن اقتران أعظمِ صفحاتِ المجد الإسلامي بشهر رمضان لم يكن محضَ مصادفةٍ عابرة، إنَّما كان سرًّا من أسرار هذا الشهر الذي يصوغ الرجال ويشحذ الإرادات، فرمضان ميدان تتجلّى فيه معاني الإيمان حين تتحول العقيدة إلى قوة، والعبادة إلى عزيمة، والصيام إلى صبرٍ يقود إلى الظفر.
يوم بدر خير شاهد على همة المسلمين في رمضان:
إن فرض الصيام كان في السنة الثانية من الهجرة قبل معركة بدر بشهر، ووقعت بدر في شهر رمضان من هذه السنة بعد أن فُرض، وكأن الصيام شُرع مقدمةً بين يدي النصر، ولتكون النفوس قد تربت على الطاعة والصبر، وكان يوم بدر يوما فاصلا بين الحق والباطل ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٣ - ١٢٦].
لقد كان النصر حليفهم، والتوفيق سبيلهم، والمدد الإلهي معهم، واستمع إلى السياق القرآني وهو يجسد هذا المشهد في صورة حية كأنه واقع مشاهد، فيقول تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ * إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٠ - ١٢].
فإن طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والبعد عن التنازع والخلاف، والإلحاح في الدعاء: من أهم عوامل النصر العظيم في يوم بدر، حيث يقول ربنا: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦]، فما أحوج واقعنا المعاصر إلى مثل هذا.
روي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، قَالَ: كُنَّا يَوْمَ بَدْرٍ كُلُّ ثَلَاثَةٍ عَلَى بَعِيرٍ، كَانَ أَبُو لُبَابَةَ وَعَلِيٌّ رضي الله عنهما زَمِيلَيْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: فَكَانَتْ عُقْبَةُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَا: نَحْنُ نَمْشِي عَنْكَ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى مِنِّي وَلَا أَنَا بِأَغْنَى عَنِ الْأَجْرِ مِنْكُمَا» [أورده ابن كثير في البداية والنهاية وقال: وقد رَوَاهُ النَّسَائِيُّ].
فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة:
ضرب فيه النبي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في الصفح والعفو عن المسيئين، قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا تَرَوْنَ أَنِّي صَانِعٌ بِكُمْ؟» قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ قَالَ: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ» [رواه البيهقي في "السنن الكبرى"]، ولذا سماه "يوم المرحمة" قال صلى الله عليه وسلم: «يَا أَبَا سُفْيَانَ، الْيَوْمَ يَوْمُ الْمَرْحَمَةِ، الْيَوْمَ أَعَزَّ اللَّهُ فِيهِ قُرَيْشًا»[رواه الْأُمَوِي في "المغازي"]، وقد وفَّر لهم وسائل كي يأمن أهل مكة، فقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابهُ فَهُوَ آمِنٌ» [رواه مسلم]، وتلك هي خصائص شهر رمضان، فهو شهر المغفرة والرحمة والعفو، والأمن والأمان، والسلم والسلام.
كان رمضان منطلَقًا بالأمة نحو العالمية، حيث خرج المسلمون من حدود الجزيرة العربية إلى آفاق العالم، وحملوا معهم قيم العدل والرحمة ونسائم الحرية، عندما فتحوا الأندلس!
عين جالوت شاهدة على صمود المصريين:
وقعت في يوم الجمعة الخامس والعشرين من رمضان المبارك عام ٦٥٨هـ، وانتصر المسلمون بقيادة المجاهد المؤمن سيف الدين قطز في المعركة الخالدة عين جالوت، حيث قهرت الجيوش المصرية التتار الذين قتلوا ملايين البشر من المسلمين وغيرهم، وقضوا على دولة الخلافة في عام ٦٥٦هـ، قال ابن كثير: "ولما رأى قطز عصائب التتار قال للأمراء والجيوش الذين معه: لا تقاتلوهم حتى تزول الشمس وتفيء الظلال وتهب الرياح، ويدعو لنا الخطباء والناس في صلاتهم، وكان قطز قد رأى في المنام وهو صغير رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال له: أنت تملك الديار المصرية وتكسر التتار، وكان يحدث بهذا. [البداية والنهاية].
العاشر من رمضان (نصر أكتوبر):
إن أعظم حدث في العصر الحديث إنما هو نصر أكتوبر المجيد الذي وقع في العاشر من رمضان عام (١٣٩٣هـ) = السادس من أكتوبر ١٩٧٣م، حيث التقى المصريون مع عدوهم الغاشم على أرض سيناء الحبيبة، فهَزم الجيش المصري العظيم هذا المحتل، وأبطل مقولته التي طالما تغنى بها "الجيش الذي لا يقهر"، واستردوا أرضهم، وحموا عرضهم، ورفعوا راية بلادهم عالية خفاقة.
الصيام والتكبير من أهم عوامل النصر:
عبر جنودنا وهم صائمون، رغم أن الشرع الحنيف رخص لهم الفِطر لكن أبت أخلاق هؤلاء العظام، ومحبتهم للشهادة في سبيل تحرير وطنهم، إلا أن يكونوا صائمين: "لا نريد أن نفطر إلا في الجنة"، وعلت أصواتهم بكلمة «الله أكبر»، وكان عنصر المفاجأة أذهل الجميع، وخرج العدو من وكره مذعوراً خائفاً من هؤلاء الأبطال البواسل الذي جاءوا من كل حدب وصوب، وتدفَّقوا كالسيل العرم، وكانت الروح المعنوية التي قام بها مولانا العارف بالله الإمام الأكبر أ.د/ عبد الحليم محمود لجنودنا لها عظيم الأثر في تخفيف حرارة الجو، ووطأة الموقف حيث بشرهم أنه رأى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المنام، وهو يرفع راية «الله أكبر».
خير أجناد الأرض:
وما زال الجيش المصري على العهد باقيًا، وسيظل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها رغم كيد الكائدين، وأبواق المفسدين، مصداقًا لقول سيد المرسلين؛ فعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنَّه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا فتح الله عليكم مصر بعدي فاتخذوا فيها جندًا كثيفًا؛ فذلك الجند خير أجناد الأرض»، فقال له أبو بكر: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: «لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة» [رواه ابن عبد الحكم في "فتوح مصر"] .
لقد استطاع فيها الجيش المصري أن يدحر عدوه، وأن يسترد أرضه، ويحمي عرضه، ويفرض إرادته العادلة على الأرض المباركة، أرض سيناء الحبيبة، وانتصرت مصر في هذه المعركة انتصارا خُلِّد ذكراه في تاريخ الحروب المشروعة، ورغم قوة العدو وتفوقه في بعض المجالات إلا أن جيش مصر أعطى درسا في الشجاعة والقدرة على التخطيط والبسالة، صار بعد ذلك ضمن الدروس المنهجية في العلوم القتالية التي تدرس في أعرق الكليات العسكرية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض







