رمضان في الغربة.. مسؤولية مضاعفة للمصريين بالخارج لتمثيل قيم رمضان الحقيقية
استقبل المصريون بالخارج شهر رمضان المبارك بروح لا تقل دفئًا عن أجواء الوطن، وإن اختلفت المظاهر وتباينت التفاصيل، ففي عواصم أوروبا وأمريكا، يتحول الشهر الكريم إلى مساحة خاصة يمزج فيها أبناء الجالية بين الالتزام المهني الصارم ومتطلبات الحياة الغربية، وبين الحنين العميق لروح الشارع المصري وعاداته الرمضانية الأصيلة.
35 عامًا من الغربة.. ورمضان بطابع مختلف

قال نشأت زنفل، نائب رئيس المركز الثقافي المصري بأمريكا، والذي قضى 35 عامًا في الغربة بين العمل والكفاح، إن أجواء رمضان في نيويورك وأوروبا تختلف كثيرًا عن نظيرتها في الدول العربية، بحكم طبيعة المجتمعات وضغط العمل واختلاف الثقافة اليومية.
واضاف أن المصريين في الخارج يحاولون قدر الإمكان صناعة أجواء تشبه الوطن، لكن إيقاع الحياة السريع يفرض واقعه، موضحًا أن “رمضان هنا يحتاج إلى مجهود مضاعف حتى نحافظ على طقوسه، لأنك تصوم وتعمل لساعات طويلة في بيئة لا تتغير ملامحها كثيرًا مع قدوم الشهر الكريم”.

وأكد زنفل أن الغربة تعلّم الإنسان قيمة التفاصيل الصغيرة، وأن الحفاظ على الهوية الدينية والثقافية يصبح مسؤولية شخصية، خاصة أمام الأجيال الجديدة التي وُلدت ونشأت خارج مصر.
فرنسا.. رمضان بين روح الشرق ونظام الغرب

وفي فرنسا، ترى جيهان جادو،
عضو مجلس الحي بفرنسا ومسؤول بوزاره الثقافه الفرنسيه، أن شهر رمضان تجاوز كونه شعيرة دينية ليصبح حالة اجتماعية وثقافية تعكس طبيعة التعايش داخل المجتمع الفرنسي.
واوضحت أن الدولة الفرنسية، رغم تمسكها الصارم بمبدأ العلمانية (Laïcité)، تشهد حضورًا واضحًا للشهر الكريم من خلال نشاط الأسواق وازدحام المساجد، خاصة في المدن الكبرى.
وذكرت: “بالنسبة لي، رمضان في فرنسا حالة وجدانية خاصة أعيشها بين روح الشرق ونظام الغرب، أبدأ يومي بسحور هادئ قبل يوم عمل طويل، وأحاول الموازنة بين التزاماتي المهنية وتحضيراتي الروحية”.

وتحرص جادو على أداء الصلاة وقراءة القرآن يوميًا، وزيارة مسجد باريس في العطلات، مؤكدة أن الإفطار يظل لحظة عائلية دافئة حتى في الغربة، حيث تعد أطباقًا شرقية تذكرها بمصر، كما اعتادت دعوة فريق عملها حتى من غير المسلمين لمشاركتها الإفطار سنويًا، في مشهد يعكس روح التعايش.
وأكدت أن الجانب الإنساني يحتل مكانة خاصة لديها خلال الشهر، إذ تخصص جزءًا من وقتها للأعمال التطوعية، قائلة: “رمضان يعلمني كل عام أن الهوية ليست مكانًا نعيش فيه، بل قيَم نحملها أينما كنا”.
برلين.. إفطارات جماعية وجسور ثقافية

وفي العاصمة الألمانية برلين، تتحول أجواء رمضان إلى مناسبة اجتماعية كبرى تجمع المصريين والعرب، وفق ما يؤكده علاء ثابت، رئيس بيت العائلة المصرية في ألمانيا.
وأشار ثابت إلى تنظيم إفطارات جماعية يشارك فيها ما بين 200 إلى 300 شخص من جنسيات عربية مختلفة، إلى جانب أصدقاء ألمان، في لقاءات تمزج بين الطابع الديني والاجتماعي والثقافي.
ولا تقتصر الفعاليات على الطعام والأجواء الاحتفالية، بل تشمل إقامة صلاة التراويح وأنشطة مخصصة للأطفال لتعريف الجيلين الثاني والثالث بالعادات الرمضانية، حفاظًا على الهوية في مجتمع أوروبي متعدد الثقافات.
المرأة المصرية.. دور تنظيمي محوري

وتلعب المرأة المصرية والعربية دورًا رئيسيًا في إنجاح هذه الفعاليات، بحسب منى علي السيد، رئيسة لجنة المرأة ببيت العائلة المصرية وممثلة مصر في اتحاد المرأة العربية، التي تؤكد أن الاستعدادات تبدأ قبل رمضان بثلاثة أشهر.
واوضحت أن التعاون يشمل نحو 13 جالية عربية، مع دعوة ممثلين عن المجتمع المحلي، بهدف تعزيز التفاهم وتصحيح المفاهيم المغلوطة عن العرب والمسلمين.
فيينا.. رمضان فعل هوية
ومن النمسا، يقول بهجت العبيدي، مؤسس الاتحاد العالمي للمواطن المصري في الخارج، إن رمضان في الغربة “فعل هوية” قبل أن يكون مجرد عبادة.
واضاف: “نصوم ونعمل وندرس في مجتمعات تختلف عنا، فنشعر بمسؤولية مضاعفة لتمثيل قيم الصوم الحقيقية، الصبر والانضباط والرحمة، قد نفتقد زينة الشوارع وأصوات المسحراتي، لكننا نصنع أجواءنا بأنفسنا”.
بين الحنين والانتماء
ورغم الجهود المبذولة لإحياء الأجواء الرمضانية في الخارج، يبقى الحنين لروح الشارع المصري حاضرًا بقوة أصوات المسحراتي، مدفع الإفطار، الزحام قبل المغرب، والزيارات العائلية العفوية.
لكن المصريين بالخارج يثبتون
كل عام أن المسافات لا تنتزع الهوية، بل تعمّقها، فبين ضغوط العمل وإيقاع المجتمعات الغربية، يظل رمضان مساحة روحية خاصة، يستعيدون فيها جذورهم، ويجددون ارتباطهم بقيمهم، مؤكدين أن الوطن يسكن القلوب، مهما ابتعدت الجغرافيا.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض







