د. محمد الشرقاوي فى حوار للوفد: "الفيتو" رصاصة اغتيال في قلب الشرعية الدولية.. وهيمنة الخمس الكبار تعمّق عجز مجلس الأمن
لم تكن تصريحات وزير الخارجية، الدكتور بدر عبد العاطي، الاخيرة بشأن ضرورة إصلاح مجلس الأمن وتصحيح الظلم التاريخي الواقع على القارة الأفريقية، ومنحها مقعدين دائمين اضافة لخمسة مقاعد غير دائمة ، مجرد مطالبة دبلوماسية عابرة فملف إصلاح مجلس الأمن سيظل أحد أكثر الملفات إثارة في السياسة الدولية خلال السنوات القادمة.
في هذا الملف الخاص، نحاور الدكتور محمد الشرقاوي، العضو السّابق في لجنة الخبراء في الأمم المتحدة، وأستاذ تسوية الصراعات الدولية في جامعة جورج ميسن الأمريكية
فى البداية، هل تعتقد أن حقّ "الفيتو" تحول من أداة لحماية الاستقرار العالمي إلى عائق قانوني يمنع تحقيق العدالة في النزاعات الإقليمية؟
حق النقض تم استخدامه حتى أواخر عام 2025، أكثر من 290 مرة، وكان الاتحاد السوفيتي/روسيا أكثر الدول الخمس تلويحا به في وجه عدة أزمات (120 مرة)، وتأتي في المرتبة الثانية الولايات المتحدة خاصة في معارضة مشاريع القرارات ضد إسرائيل منذ 1948 (82 مرة)، وبريطانيا 29 مرة، وفرنسا والصين 16 مرة.
بالنظر إلى أن فكرة تأسيس الأمم المتحدة استندت إلى فلسفة تمثيل الدول الأعضاء في شتى الجغرافيات، يجسد الفيتو العنصر الأقل ديمقراطية في الأمم المتحدة، بل يجسد السبب الرئيسي للتقاعس عن معالجة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ما دام يمنع بشكل فعّال تحرك الأمم المتحدة ضد الأعضاء الدائمين وحلفائهم. وأصبح التلويح باستخدامه بمثابة رصاص اغتيال بطلقة واحدة في وجه أي مشروع قرار.
وأوضح ان هيمنة خمس دول فقط على حق الفيتو، من أصل 193 دولة عضو في الأمم المتحدة، يمثل تجاوزا للشرعية الديمقراطية للمنظمة، بل ممارسة لا يمكن الدفاع عنها بأي مبدأ من مبادئ الحكم العادل على المستوى العالمي.
ينطوي هذا الوضع على انفصام مسكوت عنه في شخصية الأمم المتحدة بين "جمعية عامة" تقوم على تساوي حقوق الدول الأعضاء وواجباتها و"مجلس أمن" يستند إلى معيار القوة وتراتبية الصلاحيات، وتستحود عليه خمس دول لا تتخلى عن مصالحها الضيقة في وجه بعضها بعضا على حساب مصلحة بقية الشعوب الأخرى.
ولو غاب هذا الفيتو من أدوات مجلس الأمن، كان من الممكن استخدام آليات تفاوض وتعاون أخرى من أجل تسوية عدة أزمات أو إدارتها بشكل أفضل. ولعل تعامل مجلس الأمن مع أزمات الصراع العربي الإسرائيلي المفتوح وحروب إسرائيل منذ 1967 كان من الممكن أن يآخد مسارات مختلفة لو لم يكن الفيتو في يد بريطانيا والولايات المتحدة.
من واقع خبرتكم، هل هناك حالات نزاع معينة فشلت الأمم المتحدة في حلها وكان السبب المباشر هو "غياب التمثيل الأفريقي الدائم"؟
أولا، وعي القوى العظمى أو انفتاحها على رؤية أو نسق أفريقي للتسوية أمرٌ حديثٌ جدًا، على الرغم من أن علاقة أفريقيا بالأمم المتحدة بدأت عام 1960، عندما نالت 15 دولة أفريقية استقلالها وانضمت 19 دولة من دول القارة السمراء إلى عضوية المنظمة العالمية (مصر، إثيوبيا، ليبيريا، وجنوب أفريقيا عام 1945، وغانا 1960. ولم تبدأ هذه القناعة تبلور ذاتها بين نيويورك والقارة الأفريقية إلى قبل ثمانية أعوام عندما وقّع أمين عام الأمم المتحدة ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي إطار الشراكة المعززة بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي في مجال السلام والأمن خلال مؤتمر الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي السنوي الأول في التاشع عشر من أبريل 2017.
تشمل المجموعة الأفريقية في الأمم المتحدة 54 دولة بما يزيد عن نسبة الربع من مجموع أعضاء الجمعية العامة البالغ عددهم 193 دولة. ولا تحضر المنطلقات الأفريقية في التعامل مع الصراعات والأزمات ضمن فلسفة مجلس الأمن الدولي. ويمكن الاستدلال بعشرات الصراعات التي تحتاج لمساهمة أفريقية إقليمية في بلورة تسوية دولية من قبيل الحرب الأهلية الراهن في السودان، والصراع في شرق جمهورية الكونغو، والأزمة الأمنية في منطقة الساحل خاصة في مالي وبوركينا فاسو، فضلا عن التوترات في منطقة القرن الأفريقي، وتقلّبات الأوضاع دخل إثيوبيا والصراع على الصحراء بين المغرب والجزائر وجبهة البوليساريو.
لا عجب أن القارة الأفريقية تشهد أكثر الصراعات والأزمات تعقيدا واستدامة. ومن دواعي استمرار هذا الوضع أن أدوات ومعايير إدارة أو تسوية الصراعات في الأمم المتحدة تُستمدّ من أدبيات غربية بالأساس، وليست كونية ولا تشمل الدروس المستفادة من تجارب المجتمعات الأفريقية والعربية والأسيوية التي تعاملت مع الصراع والسلام منذ آلاف السنين.
يطالب الوزير بدر عبد العاطي بمقعدين دائمين لأفريقيا بحقّ الفيتو، من وجهة نظر قانونية، كيف سيغير وجود "فيتو أفريقي" موازين القوى داخل لجنة النزاعات؟
اقتراح عبد العاطي، نيابة عن تصور مصر وعدد آخر من دول القارّة، يستند إلى الحاجة لتغيير ميزان القوة داخل مجلس الأمن، بل ويفترض أيضا مبدأ التمثيل المتكافئ بين ما يسمى في أدبيات الأمم المتحدة "تمثيل المجموعات"، وهو تمثيل يحضر عند انتخاب الدول للعضوية غير الدائمة مدة عامين فقط في مجلس الأمن. وإذا ما جارينا هذا الاقتراح نظريا، يصل عدد الأعضاء الدائمين وفي يدهم بطاقة حق الفيتو عشرة أعضاء: 2 لأفريقيا، 2 لآسيا، ومقعد واحد لأمريكا اللاتينية.
قد يكسر هذا الترتيب الجديد، باعتباره إصلاحيا قياسيا متخيلا للأمم المتحدة، هيمنة الدول الخمس. لكنه ينطوي هو الآخر على مغبة "الطلقة الواحدة" لاغتيال مشاريع القرارات، ولن يحل المشكل.
وقد سبق للجمعية العامة أن تبنّت قرارا عام 2022 يقضي بضرورة انعقادها تلقائياً خلال عشرة أيام عمل بعد استخدام الفيتو، مما يفرض على الدول الخمس دائمة العضوية تبرير تصويتها، وهذا يزيد من الضغط السياسي والمساءلة العامة.
في المقابل، تدعو الحاجة لتغيير أعمق في آليات الأمم المتحدة بالتوجه نحو خيار التصويت بالأغلبية في أي مجلس أمن جديد على غرار ما يحدث في الجمعية العامة، ولذلك لسببين رئيسيين: أولهما، أن الأغلبية تنبني على تقدير جماعي أوسع للصراع أو الأزمة وفكر متنور أفضل بشأن سبل حلها أو التخفيف من تداعياتها المختلفة. ثانيا، تيار الحداثة السياسية الذي تنحو منحاه جل الدول المعاصرة يقتضي مراعاة قيم تلك العدالة، وكما تعتد بأن لكل فرد صوت في الانتخابات، ينبغي أن يكون لكل دولة صوت مساو لصوت الدول الأخرى.
هناك مقترح بمنح أفريقيا مقاعد دائمة "بدون حق الفيتو"، هل ترى أن هذا المقترح هو "فخ" لإرضاء القارّة شكلياً مع إبقائها بعيدة عن مراكز اتخاذ القرار الحقيقي؟
ينمّ هذا الخطاب عن مزيج من نبرة التفاوض والترضية بين كتلة دول قوية قليلة العدد ودول القارة السمراء بمجموع سبع وخمسين دول بحجم شعوبها ومقدرات مواردها وتزايد أهميتها السياسية والاقتصادية، وأيضا عن محاولة إعادة إنتاج أمم متحدة "جديدة" بلمسات شكلية من حيث التمثيل دول سلطات القرار. لذلك، يظل حق الفيتو احتكارا سياسيا باسم القوة، وليس باسم ديمقرطية أي منظمة عالمية سواء في القرن العشرين أو الحادي والعشرين.
لهذه الاعتبارات، أعتقد بأن هناك بصيص أمل، حسب معطيات النقاش الحالي، في خيارين اثنين: الانفتاح على فكرة الانتقال من مجلس الأمن في حالة العجز عن التصرف إلى الجمعية العامة لكي تتحمل مسؤولية قضايا السلام والأمن الدوليين عن طريق إقرار نظام الأغلبية عند التصويت بغية تجاوز الجمود الناجم عن استخدام حق النقض. وهذا ما تدعو إليه مبادرة "التوحيد من أجل السلام" .
يكمن الخيار الثاني في إعادة النظر في البند 108 من ميثاق الأمم المتحدة من منطلق إلغاء حق الفيتو واستبداله بموافقة ثلثي أعضاء الجمعية العامة ثم التصديق عليه من قبل جميع الأعضاء الدائمين الخمسة، مما يجعله ممكناً قانونياً لكنه يمثل تحدياً سياسياً.
"توافق أوزوليني" وإعلان "سرت" هما المرجعية لأفريقيا. كيف ترى إمكانية صمود هذا التوافق أمام محاولات القوى الكبرى لتفتيت الصوت الأفريقي؟
أوّلا، يتمسك "توافق أوزوليني" بأنه "إجماع" تم اعتماده عام 2005 باعتباره موقفا موحدا ومنسجما بين إرادات دول الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا بشأن إصلاح مجلس الأمن، والذي تم لمعالجة التمثيل الناقص تاريخيًا لأفريقيا.
ويطالب هذا الإجماع الذي توصلت إليه مجموعة الدول العشر الأفريقية (الجزائر، غينيا الاستوائية، الكونغو، كينيا، ليبيا، ناميبيا، السنغال، سيراليون، أوغندا، وزامبيا) وأيضا إعلان سرت بتخصيص مقعدين دائمين على الأقل مع حق النقض (الفيتو) وخمسة مقاعد غير دائمة لللدول الأفريقية، لكي يغدو المجلس أكثر تمثيلاً وديمقراطية من خلال زيادة عدد أعضاء مجلس الأمن إلى أكثر من 26 عضوًا.
ينطوي هذان التصوران على صعوبة التفاوض مع مراكز القوة مثل الولايات المتحدة وروسيا وإن كانت الصين تميل إلى شعار التعددية القطبية وبالتالي، ستأتي أقل مقاومة من بيجين مقارنة مع واشنطن أو موسكو.
ولا يُخرج المناورات الأفريقية من مرجعية المركزية والهامش في تركيبة مجلس الأمن. وقد تكون الحكمة الأفريقية أكثر ألمعية في المناداة بتغيير قواعد اللعب بشكل جذري وتقديم مطالب تتجاوز عقدة الفيتو الحالي أو المنشود.
مصر تطالب بتمثيل يتناسب مع ثقلها. كيف يمكن لبلد بخصوصية مصر (أفريقياً وعربياً) أن يقوم بدور "صمّام الأمان" في لجنة النزاعات الدولية؟
يحق للأصوات السياسية في القاهرة أن تنادي بمراعاة "خصوصية مصر" وبعديْها الأفريقي والعربي. ويحق لدول أخرى مثل المغرب أو الجزائر أن تبشّر بالخطاب ذاته. وبوسع نيجيريا أن تعتد بموقعها بين شمال القارة وجنوبها، ولا غرو إن تعالى صوت جنوب أفريقيا يجاهر بأن الأحقية الأولى ينبغي أن تكون لها بحكم موقعها و"تمثيلها لعدة دول مجاورة في الجنوب الأفريقي وبالنظر إلى تاريخ الصراع العرقي بين البيض والسود، وكيف أقامت نظاما ديمقراطيا.
هذه أمنيات تتماشى مع إدارة الخطاب الوطني وسردية "الإشعاع الدولي" لدى أي من هذه الدول. ويمكن للقاهرة أن تساهم في إرساء مدرسة عربية أفريقية للوساطة الدولية وإضفائهما إلى آليات تسوية الصراعات وتدبير الأزمات في الأمم المتحدة.
هل ترى أن "تسييس" النزاعات داخل الأمم المتحدة يظلم الدول الإقليمية الكبرى مثل مصر في ملفات حيوية كالأمن المائي أو النزاعات الحدودية؟
أوّلا، "تسييس" الصراعات أو الأزمات هو تحصيل حاصل خاصة عندما تتحول بعض الصراعات إلى ما نسميه صراعات مستدامة مثل الصراع العربي الإسرائيلي من 1948، وصراع جزيرة قبرص منذ 1964، وصراع الصحراء بين المغرب والجزائر منذ 1975. المعنى أن لا صراعا يطول ويعمّر، إلا وكان التسييس ودخول دول أخرى على الخط وتبدل مصالح الأطراف من أسباب تعقيده وصعوبة إدارته.
ثانيا، هناك مغالاة في التعويل على "إرادة" الأمم المتحدة وكأنها هيئة دولية مستقلة وذات صلاحيات كبيرة. هي باختصار مجموعة عواصم كبرى، ومنها واشنطن وموسكو ولندن وباريس وبيجين، تدير شؤون العالم بما يخدم مصالحها الاستراتيجية دوليا وإقليميا. وهذا ما ينعكس ضمنيا ما تعتبرينه "ظلما للدول الإقليمية في ملفات حيوية كالأمن المائي أو النزاعات الحدودية".
أنا أعتقد بأن الحلول الممكنة لأي صراع تتأتّى من تلاقي مبادرات إقليمية وتزكية من الأمم المتحدة. ومن يتوقع أو ينتظر أن الأمم المتحدة هي التي ستصنع الحل يكون يستند إلى تفكير غير واقعي، خاصة وأن الأمم المتحدة تواجه قوائم طويلة من الصراعات والأزمات، مما يجعلها تنشغل بأولية إدارة الصراع أو الأزمة أكثر من إيجاد تصور كفيل بالتسوية النهائية.
هل تعديل "المادة 108" من الميثاق وتغيير نظام التصويت هو أمر ممكن في المدى المنظور، أم أننا أمام "جمود تاريخي" قد يؤدّي لانهيار المنظّمة؟
أوّلا، ليست فكرة إصلاح المتحدة حملة جديدة متصاعدة الزّخم سواء في ضوء حربيْ أوكرانيا وغزة، أو جائحة كورونا، أو فشل الأمم المتحدة في التعامل مع الحروب الأهلية الرئيسية في المنطقة العربية (ليبيا واليمن وسوريا) منذ 2011. ما نشهده اليوم هو ما أسمتيه في مقالة باللغة الانجليزية عام 2017 بأنه "إرهاق دبلوماسي" Diplomatic fatigue لدى الأمم المتّحدة.
ثانيا، ينبغي تقليل التوقعات من أهمية المنادة بتطبيق المادة 108 من ميثاق الأمم المتحدة من أجل إصلاحها. وهذه المادة تنطوي على لعبة سؤال البيضة أم الدجاجة في أصل من يقرّ الإصلاح. وتتطلب موافقة ثلثي أعضاء الجمعية العامة (موافقة الثلثين، أو حوالي 128 دولة من أصل 193) يليها التصديق من ثلثي الدول الأعضاء، بما في ذلك جميع الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن. وقد يكون من العبث تصور أن دولا قوية ستوصت على مبادرات وقرارات ستقصل نصبيها في القوة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض
