بدأ كلّ شيء برسالة. فى أواخر ثمانينيات القرن الماضى، كتب طالب الدراسات العليا جيمس شيف رسالةً إلى جون ابدايك John Updike، الكاتب الأمريكى الكبير الذى اتّخذه موضوعًا لأطروحته. لم يكن يتوقّع ردًّا، لكن الرسالة وصلت سريعًا، دقيقةً، ومفعمةً بالمودة. كانت تلك التجربة مدخلًا لاكتشاف جانبٍ أساسيّ من شخصية أبدايك: ولعه العميق بالمراسلة.
فبحسب شيف—كما ورد فى لقاء مع مجلة «هارفارد جازيت» 21-1-2026—كتب أبدايك أكثر من خمسةٍ وعشرين ألف رسالة على امتداد حياته. وقد جمع شيف مختاراتٍ منها فى كتابٍ يغطى ستة عقود، معتبرًا الرسائل «جزءًا لا ينفصل» عن نتاجه الأدبى الغزير.
لم يكن أبدايك مجرّد روائيٍ ناجح، بل ظاهرة أدبية كاملة: أكثر من ستين كتابًا، ونحو ألفى قصة قصيرة، وآلاف المقالات والدراسات. نال جائزة بوليتزر للرواية مرتين ووُصف عند وفاته عام 2009 بأنه «كاتب الطبقة الوسطى الأمريكية».
ما شدّ شيف إلى أبدايك هو قدرته على تحويل المألوف واليوميّ إلى مادةٍ أدبية لافتة. «جعَل الحياةَ المألوفة فى أميركا الوسطى جميلةً، مثيرةً، وغامضة»، وهى سمةٌ رآها أبدايك شرطًا للأدب الحقيقى، لا نقيضًا له.
على خلاف كثير من الكتّاب، لم يترك أبدايك يومياتٍ أو مذكّرات. كانت الرسائل سجله الحيّ. بدأ كتابتها مراهقًا من مزرعة عائلته فى بنسلفانيا، مراسلًا رسّامى الكاريكاتير والمجلات. وتأثّر فى ذلك بأمّه، التى كانت تطمح إلى الكتابة. وخلال دراسته فى جامعة هارفارد (1950–1954)، كتب عشرات الرسائل إلى أهله، تكشف عن عينٍ حادّة وأسلوبٍ رصين مبكّر. فى أول رسالةٍ له كتب: «هارفارد مكانٌ يصدمك بحجم الذكاء وتنوّع المواهب حولك»، ثم عاد ليصف متعته بالحرية والفكر ومشهد مكتبة وايدنر ليلًا.
ولم يقتصر أفق أبدايك على الأدب الأمريكى. فقد كان قارئًا شغوفًا بالأدب العالمى، وأبدى اهتمامًا خاصًا بتجربة نجيب محفوظ فلم يتعامل معه بوصفه «اسمًا نوبليًا» فحسب، بل بوصفه مشروعًا سرديًا كاملًا يُعيد طرح أسئلة الرواية ذاتها: كيف تتحوّل المدينة إلى بطلٍ متعدّد الأصوات؟ وكيف يصبح اليوميّ—الحارة، البيت، الزقاق—مسرحًا للفكرة الكبرى بلا خطابٍ مباشر؟ انجذب أبدايك إلى واقعية محفوظ الكاشفة، التى تُراكم التفاصيل لا للزينة، بل للمعرفة؛ تفاصيل تُعرّى المجتمع، وتُظهر كيف تتسرّب السياسة إلى اللغة والعائلة والرغبة عبر الإيقاع البطيء للحياة. وكان شديد الحساسية لمسألة الترجمة: ما الذى يبقى من العمل الادبى حين يعبر إلى لغة أخرى؟ لذلك رأى فى روايات محفوظ معرفةً إنسانية عميقة حتى فى ترجمتها الانجليزية، روايات بعيدةً عن «الغرائبية»، تجعل المألوف أخطر من الاستثنائى، وتترك للمدينة أن تتكلم من أفواه ساكنيها.
هكذا تكشف رسائل جون أبدايك عن كاتبٍ عاش بالكلمات ولها، ورأى فى المراسلة فعلَ حياةٍ، وجسرًا إنسانيًا يربط اليوميّ والمألوف بالمصير الانسانى الواسع.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض