من تحسين النسل إلى الخوارزميات.. وثائقي صادم عن تاريخ الذكاء الاصطناعي
في مهرجان صاندانس السينمائي هذا العام، لفت فيلم وثائقي جديد الأنظار بطرح جريء ومثير للجدل حول الجذور الفكرية للذكاء الاصطناعي وعلاقته بتاريخ طويل من الأفكار الإقصائية. فيلم Ghost in the Machine، من إخراج فاليري فيتش، لا يكتفي بانتقاد ممارسات شركات التكنولوجيا الكبرى، بل يذهب أبعد من ذلك، ليطرح تساؤلًا مباشرًا: هل تقوم ثورة الذكاء الاصطناعي الحديثة على إرث فكري مرتبط بتحسين النسل والتفوق العرقي؟
الفيلم يقدّم أطروحته بوضوح منذ اللحظات الأولى، معتبرًا أن ما يُعرف اليوم بـ”التكنوفاشية” في وادي السيليكون ليس انحرافًا عابرًا، بل نتيجة طبيعية لمسار فكري وتاريخي ممتد. ومن خلال سلسلة مقابلات مع فلاسفة وباحثين في الذكاء الاصطناعي ومؤرخين وعلماء حاسوب، يحاول العمل تفكيك الصورة الوردية التي تحيط عادة بتقنيات الذكاء الاصطناعي ومستقبله الموعود.
بالنسبة لمن يتابع عن كثب تطورات الذكاء الاصطناعي في السنوات الأخيرة، قد لا يبدو بعض ما يطرحه الفيلم جديدًا بالكامل. إذ يعيد التذكير بفشل روبوت الدردشة الشهير Tay التابع لمايكروسوفت، الذي تحوّل في وقت قياسي إلى منصة لنشر خطاب الكراهية والتطرف. كما يتوقف عند الأثر البيئي المتزايد لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، واستهلاكها الهائل للطاقة، فضلًا عن اعتماد شركات التكنولوجيا على عمالة منخفضة الأجر في دول إفريقية وآسيوية لتدريب الخوارزميات وتنقية البيانات.
لكن الجانب الأكثر إثارة في الفيلم يكمن في تتبعه للجذور التاريخية العميقة لهذه التقنيات. يستعرض الوثائقي دور عالم الرياضيات البريطاني كارل بيرسون، أحد مؤسسي علم الإحصاء الحديث، والذي كرّس جزءًا كبيرًا من حياته لمحاولات “علمية” لتصنيف البشر عرقيًا وإثبات تفوق أعراق بعينها. هذه الأفكار، التي تُعد اليوم مرفوضة علميًا وأخلاقيًا، انتقلت لاحقًا إلى شخصيات محورية في تاريخ التكنولوجيا.
من بين هذه الشخصيات، يبرز اسم ويليام شوكلي، أحد مخترعي الترانزستور، الذي عُرف في سنواته الأخيرة بدفاعه الصريح عن أفكار التفوق العرقي ونظريات الذكاء المرتبطة بالعرق. الفيلم يشير إلى أن شوكلي، خلال عمله أستاذًا للهندسة في جامعة ستانفورد، ساهم في ترسيخ ثقافة تفضيل الرجال البيض، وهي ثقافة يرى صناع الفيلم أنها انعكست لاحقًا على بنية وادي السيليكون نفسه.
ويمضي الوثائقي خطوة أخرى، رابطًا بين هذا الإرث الفكري وبين نشأة مفهوم “الذكاء الاصطناعي” كما نعرفه اليوم، والذي صاغ مصطلحه لأول مرة الباحث جون مكارثي في خمسينيات القرن الماضي. ومن هذا السياق، ينتقل الفيلم إلى الحاضر، حيث يضع شخصيات مثل إيلون ماسك وبيتر ثيل في إطار نمط متكرر، لا كاستثناءات فردية، بل كامتداد طبيعي لتاريخ طويل من الأفكار الإقصائية.
يطرح الفيلم سؤالًا مباشرًا ومقلقًا: كيف يمكن الوثوق بمستقبل تُسلم مفاتيحه إلى نخبة تكنولوجية تتبنى، صراحة أو ضمنيًا، رؤى تقلل من قيمة الإنسان وتعيد إنتاج هرمية اجتماعية جديدة، يكون فيها “الخبراء” وأصحاب التكنولوجيا في القمة؟ ومن خلال شهادات باحثين مثل إميلي بندر ومؤرخين وإعلاميين، يصوّر العمل الذكاء الاصطناعي كمشروع قد يؤدي إلى تعميق الفجوات الاجتماعية، لا ردمها.
اللافت أن Ghost in the Machine لا يمنح مساحة كبيرة للحديث عن الفوائد المحتملة للذكاء الاصطناعي، وهو ما قد يدفع بعض المدافعين عن هذه التقنيات لاعتباره هجومًا أحادي الجانب. لكن في ظل موجة الترويج الضخمة التي تحيط بالذكاء الاصطناعي، واستثمارات بمئات المليارات من الدولارات، يرى صناع الفيلم أن الوقت مناسب لطرح أسئلة قاسية، خاصة في ظل غياب إجابات واضحة حول الفائدة الفعلية لهذه التقنيات لحياة البشر اليومية.
الفيلم متاح للمشاهدة عبر منصات مهرجان صاندانس حتى الأول من فبراير، ويبدو أنه لن يمر مرور الكرام. سواء اتفق المشاهد مع أطروحته أو اختلف معها، فإن Ghost in the Machine ينجح في فتح نقاش ضروري حول من يملك مستقبل التكنولوجيا، وعلى أي أسس فكرية وأخلاقية يُبنى هذا المستقبل.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض