تصحيح مسار
فى وقت يتشكل فيه نظام عالمى جديد تحت شعار «روح الحوار»، وقفت مصر شامخة فوق جبال الألب السويسرية فى منتدى دافوس 2026، فلم تكن المشاركة المصرية مجرد حضور بروتوكولى، بل كانت تجسيدا للجمهورية الجديدة التى فرضت نفسها كلاعب لا غنى عنه فى معادلات الاقتصاد والسياسة الدولية، انطلقت مصر لترسم خارطة طريق لمستقبل المنطقة بوفد رفيع المستوى يقوده الرئيس عبدالفتاح السيسى، مدعومة بثقة دولية تجلت فى أبهى صورها خلال لقاء القمة الذى جمع بين الرئيس السيسى والرئيس الأمريكى ترامب، على هامش المنتدى.
إن المكاسب التى حققها الوفد المصرى فى دافوس تؤكد أن الاستقرار السياسى هو الوقود الحقيقى للنمو الاقتصادى، فبينما كانت اللقاءات السياسية تجرى فى القمة، كان المصريون يعقدون صفقات المستقبل، كما أن التركيز على المنطقة الاقتصادية لقناة السويس كمركز عالمى للهيدروجين الأخضر، وجذب كبريات شركات التكنولوجيا لإقامة مراكز إقليمية فى مصر، هو الحصاد المرتقب لسنوات من العمل فى البنية التحتية، كما أن مصر قدمت نفسها فى دافوس 2026، كسوق واعدة لا تخشى التحديات، وبوابة شرعية لربط استثمارات العالم بالقارة الأفريقية.
أما الإيجابيات التى تعود على مصر من هذه المشاركة فهى تتخطى لغة الأرقام والمليارات، كما إنها تتعلق بالصورة الذهنية للدولة، فعندما يجتمع قادة العالم وصناع القرار فى كبرى الشركات تحت سقف واحد، ويجدون فى مصر النموذج الملهم للنمو رغم سوء الأوضاع الإقليمية، فإن ذلك يفتح آفاقا من الثقة لا تشتريها أموال الدعاية.
ونتيجة لذلك نجح الوفد المصرى فى جذب استثمارات كبيرة فى قطاع الهيدروجين الأخضر وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعى، مستغلا وجود أكثر من 800 رئيس شركة عالمية، وما ساعد على ذلك هو عرض التجربة المصرية فى الربط القارى والبنية التحتية، مما جعل من مصر بوابة أفريقيا الرسمية أمام الصناديق السيادية العالمية.
أما الحدث الذى خطف الأضواء على هامش المنتدى هو الاجتماع المشترك بين الرئيس عبدالفتاح السيسى والرئيس الأمريكى دونالد ترامب، لقد خطف اللقاء الذى جرى بينهما الأنظار، ليتجاوز بتبعاته حدود الغرف المغلقة بالإعلان عن إشراك مصر فى مجلس السلام الدولى ليس مجرد خطوة سياسية، بل هو شهادة جدارة دولية بالدور المحورى الذى لعبته القاهرة فى المنطقة وتأمين ممرات التجارة العالمية.
ففى هذا الاجتماع، لم يكن الحديث يدور حول طلب الدعم، بل حول تنسيق الأدوار، فلقد أدركت واشنطن، والقوى الكبرى فى دافوس، أن استقرار الشرق الأوسط يمر حتما عبر بوابة القاهرة، وأن انضمام مصر لهذا المجلس يعنى أن الرؤية المصرية لإعمار المنطقة وحل النزاعات أصبحت هى المرجع الذى يلتف حوله العالم، وهو ما يمنح مصر ثقلا سياسيا يحمى مصالحها القومية فى ملفات حيوية مثل الأمن المائى والطاقة.
لقد أثبت لقاء الرئيس السيسى مع الرئيس الأمريكى، أن الدبلوماسية المصرية تسيير فى مسار الندية والاحترافية، فمصر اليوم لا تطلب مقعدا على الطاولة، بل هى التى تساهم فى تصميم الطاولة نفسها.
وختاما.. إن مشاركة مصر فى دافوس 2026 ليست مجرد حضور فى منتدى عالمى، بل هى تتويج لرحلة شاقة من الإصلاح والبناء وصناعة المستقبل. إن لقاء الرئيس السيسى مع الرئيس الأمريكى وما نتج عنه من إشراك مصر فى مجلس السلام هو بمثابة تفويض دولى للقاهرة لقيادة دفة الاستقرار، لتخرج مصر من دافوس وهى أكثر قوة، وأكثر تأثيرا، مؤكدة للعالم أجمع أن الجمهورية الجديدة هى شريك أصيل فى صنع السلام والرخاء العالمى.